فإذا كانت الحضارة مبنية على الدين, كأن يقال الحضارة المسيحية أو الحضارة اليهودية فإن اعترافنا بهذا الدين نفسه وبرسوله, وبما أنزل عليه من كتاب, يتضمن اعترافنا بالحضارة المنسوبة إليه, أو القائمة عليه, ولو كانت هذه النسبة إدعاءً محضاً. فإن التبعة في المخالفة للهدى الموحي أو تحريفه إنما تقع على المخالفين أو المنحرفين, وما علينا من حسابهم من شيء.
وإذا كانت الحضارة مبنية على أصل لا يستمد من الدين شرعيته أو وجوده, فإن المسلمين مأمورون بالتعرف عليها والنظر في أحوالها والإعتبار بما يقع لأصحابها من خير وشر: (قل سيورا في الأرض فانظروا كيف بدا الخلق, ثم الله ينشىء النشأة الآخرة, إن الله على كل شيء قدير) , وفي القرآن الكريم جاء الأمر بالسير في الأرض مقروناً دائماً بالأمر بالنظر فيه للتدبر والإعتبار. قال تعالى: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) ., وقال سبحانه: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت, فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عيه الضلالة, فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) . وقال سبحانه: (ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت, فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) .
هذه آيات وغيرها تجمع بين الأمر بالسير في الأرض والأمر بالنظر الذي يقتضي التعرف على الآخرين, وعلى حضاراتهم، وإنجازاتها ومكتسباتها، وما لها. وفي القرآن الكريم الأمر الصريح بأن سبب إختلاف الخلق _ شعوباً وقبائل _ هو تيسير التعارف بينهم (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليمٌ خبير) .
والتعارف يقتضي تقارباً بين المتعارفين، وتسليماً متبادلاً باختلاف كل منهما عن الآخر، ولا يستمر الأمر بالتعارف مطاعاً إلاّ إذا استمر التغاير والإختلاف بين الناس المخاطبين بهذه الآية الكريمة _ جميعاً _ قائماً.
فأبناء الحضارة الإسلامية، والداعون إلى مشروعها الإجتماعي في عصرنا، يسلمون بمقتضى هذا الشرط الأول من شروط نجاح حوار الحضارات، ولا يطلبون من أبناء الحضارات الأخرى إلاّ الآن يكون لهم الموقف نفسه، وإلاّ فإن الحوار سيصبح حديثاً من طرف واحد، أو محاولة كل طرف غزو الطرف الآخر ودحره، وهكذا يعيش العالم صراعاً وصداماً، ولا يعش حواراً ولا تعارفاً.
ثانياً _ التبادل الحضاري
والشرط الثاني من شروط نجاح الحضارات واستمراره هو أن يتحقق له معنى التبادل بأن يكون لكل طرف من أطرافه حق قول رأيه وبيان موقفه من القضايا التي يجري الحوار حولها، مهما كان هذا الرأي أو الموقف مخالفاً لما يعتقده أو يفعله، أو يدعو إليه ويدافع عنه الآخرون.
والحوار _ في اللغة العربية _ على صيغة فعال، وهي جمع فعل، أي أنه لا يتحقق بفعل طرف واحد، وإنما بأفعال أطراف متعددين.
وبغير ذلك يتحول الحوار إلى درس أو محاضرة، أو إملاء رأي، لا يستفيد منه المتكلم ولا السامع. فأما المتكلم فلم يستفد شيئاً من الإستماع إلى نفسه، ولم يضف إلى عقله ومنطقه قوة بتكراره إياه. وأما السامع _ المخالف له _ فقد حرم من حقه في التعبير عن نفسه، فهو إلى رفضه كل ما قاله الآخر، ولو بعضه حقاً، أدنى منه إلى مجرد التفكير فيه فضلاً عن قبوله.
والحضارات المتباينة الحية، تملك كل منها مقومات خاصة بها، ويراها أصحابها صواباً نافعاً، وقيمة الحوار بينها تبدو في تعرف أبناء كل منها على الأخرى كما يراها أصحابها، لا كما تراها أعين الغرباء عنها، رضاءً كان ما تظهره هذه العين أم سخطاً، نقصاً كان أم كمالاً، جزئياً كان قاصراً كان أم كلياً شاملاً.
ثالثاً _ الثقافة
والشرط الثالث من شروط نجاح الحوار بين الحضارات وإستمراره أن يكون نشاطاً دائماً متجدداً، لأن الإحاطة بجوانب التميز والتغاير، ثم الإفادة منها في تبادل الخبرة والمعرفة ووسائل النمو والترقي، لا يتم في جلسة أو عدة جلسات ولا يحيط به فرد أو مجموعة أفراد. ولكنه يحتاج إلى تواصل مستمر يتعدد المشاركون فيه بتعدد جوانب الحياة وتكاثر التخصصات فيها, حتى يؤتي ثمرته ويحقق غايته.
والشرط الر ابع من شروط نجاح حوار الحضارات وإستمراره أن يكون محوره الثقافة التي تعبر عنها الحضارات المختلفة، والنشاط البشري الذي تتمثل فيه هذه الثقافة.
ومن معاني هذا الشرط وضروراته أن تستبعد من الحوار بين الحضارات موضوعات العلاقات السياسية, والتبادل الاقتصادي، والاختلاف الديني.
الدين والحوار الحضاري:
والحوار بين أهل الأديان المختلفة _ عندي _ له هدف واحد هو أن ييسر للناس العيش معاً في مجتمعات مختلف الأديان، عيشاً تسود فيه الأخوة الإنسانية، ويجري على قاعدة المشاركة المتساوية في المواطنة، ويرمي إلى أن لا يظلم أحد حقاً هو له بسبب تميزه الديني عن الآخرين، ولا يأخذ أحد حق غيره بسبب إنتمائه الديني إلى عقيدة الحاكمين، أو الكثرة من المواطنين.