ثم أن الحوار بين الأديان _ حين تختلف الأوطان _ يجب أن يتجه إلى هذه الغاية نفسها: كيف يعيش الناس معاً في عالم يتسع للجميع، على الرغم من اختلاف العقائد والشعائر والملل والنحل.
ونحن في داخل الوطن الواحد نسعى إلى تحقيق"العيش الواحد"بين المواطنين مهما اختلفت أديانهم أو مذاهبهم أو مشار بهم العقيدية داخل هذه الأديان والمذاهب. والعيش الواحد هو حياة المواطنين المتساوين في أصل المواطنة، وفيما يترتب عليها من حقوق وواجبات، وفيما يكون نصيباً لكل مواطن من غرم أو غنم، لا يفرق بينهم في ذلك كله _ أو بعضه _ إن أحدهما يتبع ديناً والثاني يعتنق ديناً آخر, وإنما يجمع بينهما الإشتراك في الإنتماء إلى الوطن الذي هم بنوه جميعاً.
بهذه الصورة للحوار، وبهذا النطاق له، يمكن أن يستمر الحوار بين الحضارات وينجح. أما إذا أريد بالحوار بين الحضارات خضوع الناس جميعاً لنمط واحد من أنماط الحياة البشرية، وتحويل الأساليب المتباينة إلى منظومة واحدة من الأساليب المقبولة في حضارة بعينها والقضاء على ما سواها، أو ما أريد به هذا المفهوم الجديد للسيطرة على الدنيا والهيمنة على جميع الخلق المسمي ب:"العولمة"التي لا تحترم خصوصية ثقافية، ولا تعتبر أي شأن من الشؤون وقفاً على أصحابه، وتتدخل حتى بين المرء وزوجه، فتغير التشريعات وأنماط السلوك والعلاقات لتتحول الثقافات كلها إلى مسوخ تابعة لحضارة مسيطرة، فإن هذا له لا يقبل ولا يعقل ولا يكتب له أن يستمر.