فهرس الكتاب
أما الإسلام فهو الرسالة الخاتمة الجامعة لكل الرسالات، جاءت مكملة لها، ومعرّفة بها، مؤكدة وحدتها في المصدر والمنهج وأنها ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين: (قولوا آمنّا باللهِ وما أُنزلَ إلينا وما أُنزل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ وما أُوتي موسى وعيسى وما أُوتي النّبيّونَ من ربِهِم لا نفرقُ بينَ أحدٍ منهم ونحنُ له مسلمونَ) (البقرة: 136) .
وأما خطابه فقد جاء للناس كافة غير محدود بقوة أو لون أو عرق أو دين: (قُل يا أيُّها النّاسُ إنّي رسول اللهِ إليكم جميعاً الذي له مُلك السمواتِ والأرض لا إله إلاّ هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النّبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (الأعراف: 158) .
وأما وسيلته في دعوة الناس إليه فهي البلاغ المبين، والحجة البالغة، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والحوار المفتوح دون مسلمات مسبقة، واستبعاد كل أساليب الإكراه (لا إكراه في الدين قد تبينَ الرُّشد من الغي) (البقرة: 256) . (ما على الرَّسولِ إلاّ البلاغُ) (المائدة: 99) . ويؤكد على رسوله (فما أرسلناكَ عليهم حفيظا إن عليكَ إلاّ البلاغ) (الشورى: 48) ويحذره من إكراه الناس على الايمان (أفأنتَ تُكرهُ النّاس حتى يكونوا مؤمنين) (يونس: 99) .
ومن الطبيعي بعد كل هذا الإلحاح على تجنب الإكراه في الدين، أن يكون الإنسان حراً في اختيار دينه ورأيه، غير مضطهد، بسبب اختياره (فمن شاء فليؤمن ومن شاءَ فليكفر) .
ومن الطبيعي كذلك ألا يكون الكفر والإيمان مدعاة للتخاصم والتقاتل بين المسلمين والكافرين، فقد اختص الله تعالى نفسه بالحساب عليهما ولم يأذن بذلك لرسوله (فإنما عليكَ البلاغُ وعلينا الحساب) (الرعد: 40) .
إنما أذن الله للمؤمنين بالقتال دفعاً للظلم ودفاعاً عن النفس (اُذن للذين يقاتلون بأنّهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) (الحج: 39) ، فعلة القتال المأذون به هي الظلم وليس الكفر (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكُم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن اللهَ يحب المقسطين) (الممتحنة: 8) . (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السَّلمَ فما جعل اللهُ لكم عليهم سبيلا) (النساء: 90) .
وللإسلام موقف واضح من العدوان؛ فهو ينهى المسلمين عن ممارسته (وقاتلوا في سبيل الله الذينَ يقاتلونكم ولا تعتدوا إن اللهَ لا يحبُّ المعتدين) (البقرة:190) .؛ كما ينهاهم عن التعاون عليه (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (المائدة: 2) . وعن مجرد التناجي به فضلاً عن التآمر عليه (فلا تتناجوا بالإثم والعدوان) (المجادلة: 9) .
وإنما دعا الإسلام إلى الجهاد بشروطه، فالكفر وحده لا يكون سبباً مسوغاً للجهاد، إلا إذا اقترن بأحد أمرين: الحرابة أي إعلان الحرب على المسلمين أو الظلم، فإذا تحقق أحد الشرطين وجب الجهاد واستنفر المسلمون له؛ وكانت دوافعه رد العدوان ودفع الظلم، وفي ذلك يقول الله تعالى: (إنما ينهاكُم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظّالمون) (الممتحنة: 9) . فتكون موالاة الظلم والسكوت عن ظلمه ظلماً بحد ذاته، ويقول أيضاً: (وما لَكُم لا تقاتلونَ في سبيل اللهِ والمستضعفينَ من الرجالِ والنساءِ والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظّالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيرا) (النساء: 75) .
والقتل من غير مسوغ شرعي جريمة كبرى بحق الإنسانية كلها في نظر الإسلام (من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنّما قتلَ الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا النّاس جميعاً) (المائدة: 32) .
والأصل في العلاقات بين المسلمين وغيرهم هو السلام لا الحرب. فالسلام أحد أسماء الله تعالى الحسنى (المَلك القدُّوسُ السَّلام) (الحشر: 32) (واللهُ يدعو إلى دار السّلام) (يونس: 25) والرسولل (ص) مأمور بالصفح والسلام (فاصفح عنهُم وقل سلام) (الزخرف: 89) ، وعباد الرحمن (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) (الفرقان:63) . والمسلمون مدعوون للدخول في السلم كلما تحققت شروطه (يا أيُّها الذين آمنوا ادخلوا في السلمِ كافة) (البقرة: 208) .
فهل بعد ذلك من ريب في نزوع الإسلام إلى السلم، ورفضه كل أشكال الإرهاب، واستعداده للدخول في أي مسعى يهدف إلى مكافحة الإرهاب، تضطلع به أيد نظيفة غير ملوثة بممارسة الظلم والقهر والعدوان والتطهير العرقي وطرد الناس من بلادهم وأوطانهم، ولا بمظاهرة الظالمين ودعمهم وتشجيعهم والسكوت على جرائمهم؟!، وتسلك لمكافحة الإرهاب والغي طرقاً تنأى بها عن الإرهاب والغي وقتل الأبرياء وتشريد المستضعفين، وتوطد العزم على أجتثاث جذور الإرهاب، وإزالة أسبابه ودوافعه، وتجفيف ينابيعه؟!.
المصدر: مجلة المجتمع الكويتية /العدد 1477- 2002/11/17