ثم كان للصوفية نصيب من هذا الإخصاب: إذ تعانق مع الفكر الإرجائي انحراف مفهومي (العبادة) و (القضاء والقدر) عند المتصوفة؛ حيث تحوَّل مفهوم الزهد الإيجابي الذي كان عليه السلف على يد المتصوفة إلى سلوك انسحابي أخذ شكل التفرغ (للعبادة) في مسجد أو زاوية أو خلوة أو حتى كهف، وأما من انصرف إلى معالجة شؤون الدنيا فقد كان ينظر إليه عند هؤلاء على أنه انصرف عن العبادة، وكما رأينا اضطراب العلاقة بين العقل والنقل عند المعتزلة الذي تطور لاحقاً عند (التنويريين) إلى اضطراب في العلاقة بين العلم والدين، نجد هنا ـ على يد المتصوفة ـ علاقة متنافرة غريبة بين الدين والدنيا، أو بين الآخرة والدنيا، فمن أراد الدين والآخرة فله المسجد لا شأن له بالدنيا، فلمن تترك هذه الدنيا؟!... يتصدى لها أهل الفساد والانحراف، ولا يكون ذلك مستهجناً، كما لا يكون مستغرباً أن يُنظِّموا هذه الدنيا بمنأى عن الدين الذي ترك في خلوات العبادة وحلقات الفقه، وفي قول أو شعائر يؤديها الفرد المسلم، بل يتم التسليم بذلك الانحراف على أنه قضاء وقدر.
أضف إلى ذلك: أن ما روَّجه الصوفية عن الفَرْق بين الحقيقة والشريعة كان بابًا واسعاً للانسلاخ من الشرع والتفلت من الدين تحت مظلة ادِّعاء (الولاية) ، وقد كان هذا المفهوم مطية لتأويلات عديدة غير منضبطة بأصول شرعية أو لغوية أو عقلية.
ومن العوامل الفكرية التي ساهمت في إخصاب الأرضية التي قامت عليها العلمانية: الفصل الحاد بين (العبادات) و (المعاملات) الذي اقتضته (الأصول الفنية) للمنهجية العلمية التي قامت عليها الكتب الفقهية المتأخرة.
وكذلك بعض الآراء الأصولية الفقهية الشاذة أو الاستخدام السيئ لبعض الأصول والقواعد الفقهية، فلقد ناقش الفقهاء مسألة (نسخ القياس والإجماع للقرآن والسنة) وردُّوها (1) ، ولكن إثارتها من بعض العلماء ـ وإن كانوا قلة ـ يدل على استعداد فكري مبكر لتطويع الشريعة.
كما ساهم في ذلك: الانحراف عن ضوابط بعض الأصول والقواعد الفقهية، مثل: الخروج بالاستحسان والمصالح المرسلة من كونها المصالح الشرعية إلى المصالح التي يرتئيها المتنفذون حسب عقولهم وأهوائهم (1) ، ومثل الانحراف بنظرية العرف أو قاعدة (العادة محكَّمة) ليكون العرف والعادة هما الأصل الذي يُقدَّم على ما سواه.
ومن هذه العوامل: إغلاق باب الاجتهاد منذ أواخر القرن الرابع الهجري، هذا الإغلاق وإن كان دافعه حُسن النية حتى لا يدَّعي في دين الله من ليس أهلاً للنظر والاجتهاد، إلا أننا نلاحظ أن آثاره كانت عظيمة؛ فهو وإن كان فيه نوع من إعلاء لقدر عقول علماء السلف واجتهاداتهم، إلا أن فيه أيضاً نوعاً من الحَجْر على الكتاب والسنَّة، وتقليص المعاني والحكم المستنبطة منهما بما لا يتجاوز ما قاله هؤلاء العلماء الأجلاء، كما أن فيه أيضاً تصوراً خاطئاً عن طبيعة تطور الحياة الإنسانية؛ فمن منعوا الاجتهاد المطلق تصوروا أن من سبقهم من العلماء افترضوا وتخيلوا كل ما يمكن وقوعه من حوادث في حياة البشر ووضعوا لها الحلول والفتاوى الشرعية، وهذا وذاك أدى إلى مرضين خطيرين في الحياة الفكرية والفقهية لدى المسلمين، هما: التقليد وما يتبعه من تعصب، والجمود وما يتبعه من انغلاق وتحجر.
وفي عصر الدولة العثمانية ـ عندما تطورت الحياة أكثر ـ كانت الحاجة ملحة لإعادة فتح باب الاجتهاد، ولكن العلماء رفضوا ذلك ولم يُقدِّموا ـ في الوقت نفسه ـ الحلول البديلة أو يُبدوا الاستعداد لتهيئة من يكونون أهلاً لهذا الاجتهاد، عندها استغل رواد العلمانية الأوائل ومن يريدون الكيد بالأمة الفرصة وتقدموا هم بالبديل: التغريب والعلمانية.
حرث الأرض الهامدة:
لم يُفتح باب الاجتهاد، بل انكسر ليلج منه كل مدَّعٍ وصاحب هوى باسم (التجديد والإصلاح) .
ولا شك أن مجرد وجود هذه العوامل والمؤثرات كان لا يعني حتمية نشوء العلمانية في العالم الإسلامي؛ ذلك أن في الإسلام ذاته وفي العالم الإسلامي في مجمله من القيم الأخرى الأصيلة والقوى المعادلة لهذه العوامل والمؤثرات ما يبطل ـ أو يضعف ـ أثر هذه العوامل، ولكن الحقيقة أيضاً أن هذه العوامل والمؤثرات شكلت ـ عندما انتشرت وتعاظمت ـ حالة يمكن أن نطلق عليها: (القابلية للعلمنة) ، شبيهة بتلك (القابلية للخضوع) التي قصدها الشيخ عبد الحميد بن باديس، والمفكر مالك بن نبي، والتي أطلقوا عليها: القابلية للاستعمار، إضافة إلى أن هذه العوامل مثلت ثغوراً نفذ منها العلمانيون إلى البناء الفكري الإسلامي.
وعلى ذلك: فإن هذه العوامل والمؤثرات رغم وجودها في مسيرة الأمة، إلا أنها لم تكن عناصر فاعلة إلا في القرنين الأخيرين؛ ذلك لأن العوامل المساعدة المنشطة التي تحث هذه العناصر على التفاعل لم تكن متوفرة بشكل كافٍ قبل ذلك، ومن أبرز هذه العوامل المساعدة: الهزيمة النفسية لدى المسلمين، وتوجه الغرب إلى الغزو الفكري مع (أو بدلاً من) الغزو العسكري الذي ثبت إخفاقه وحده عبر حروب صليبية طويلة.
ولكن كيف أثيرت هذه العوامل؟