فهرس الكتاب

الصفحة 21489 من 27364

حمّل النائب العالم السلطات الثلاث في الدولة مسؤولية إقرار المحرمات ومخالفة الشريعة، وتوعد وزيرَ العدل آنذاك بأنه سيستجوبه بعد بضعة شهور إذا هو لم يقدم ما تم إنجازُه من قوانين تطبيق الشريعة الإسلامية. ولم يقدم له الوزيرُ ما طلبه منه النائب فوجه إليه النائب استجواباً ـ والاستجواب في عرف البرلمانات ملزم للمستجوب بالرد عليه ما لم تسقط عضوية الوزير أو يخرج الوزير المستجوب من الوزارة ـ وأصر النائب على استجواب الوزير ووقفت الحكومة خلف وزيرها، وأصرت على اسقاط الاستجواب، ولما اشتد إصرارُ النائب على الاستجواب أحدثت الحكومة تعديلاً وزارياً لم يخرج منه إلا وزيرُ العدل، أي أن الوزير أُخرج من الوزارة ليسقط الاستجواب، وتكرر هذا العمل حتى أصبح قاعدةً من قواعد التعامل مع البرلمان.

لجأ النائبُ العالم مرةً ثانيةً إلى أعضاء البرلمان وقال لهم: إنَّ مشاريع القوانين الإسلامية وُضِعت في أدراج اللجان، وقد عاهدتم الله في الحرمين على أنْ تكون أصواتُكُم لله ورسوله، وطالب بتوقيعهم على المطالبة بالتطبيق الفوري للشريعة الإسلامية فاستجابوا، ووقعوا على ما طالبهم به ووضعَ النائب العالم هذه الوثيقة في أمانةِ البرلمان، وطالب باسم النواب جميعاً النظر في قوانين شرع الله. فقام رئيس البرلمان وطالب باسم النواب جميعاً النظر في قوانين شرع الله. وقال للنواب: إنَّ الحكومة لا تقل عنكم حماسةً للإسلام، ولكننا نطلبُ منكم فرصةً للمواءمات السياسية ، فصفق له النواب الموقعون، المتعاهدون في الحرمين على العمل على تطبيق شريعة الله، ووافقوا على طلبه، فضاعتِ المطالبة بالتطبيق الفوري للشريعة وانتصرت الحكومة.

غلب اليَأْسُ النائب العالم لعدم جدوى محاولاته في سبيل تطبيق الشريعة مع أعضاء يُناديهم فيستجيبون ثم يعدلون، ثم فُوجئ يوماً باقتراح من رئيس البرلمان للموافقة على تكوين لجنّة عامة لِقَوْنَنَةِ الشريعة الإسلامية، وتبيَّن حقيقة الأمر فوجد أنَّ قرار الحكومة المفاجئ هذا لم يكن إلا تغطيةً لفضيحةٍ كبرى مست كرامة البلاد. ولم تتخذِ الحكومة قراراً لصالح الإسلام. ورحب النائب بالفكرة رغم فهمه لأبعادها، واجتمعت اللجنة لكنَّ النائب العالم أحس عدم جِدية الدولة في تطبيق شرع الله لأنها إذا أرادت إرضاء الله فهناك أمور لاتحتاج إلى إجراءات. فإغلاق مصانع الخمور يمكن أن يكون بجرة قلم. وإغلاقُ الحانات يمكن أن يتم بجرةِ قلم.

كانت هناك مظاهر تدل على ما في الأعماق حقيقة ، تضافرت كلُّها لتترك في نفس النائب العالم انطباعاً ـ يُشكل في حد ذاته قاعدة من قواعد التعامل مع البرلمانات ـ مؤاداه: أنَّ شرع الله لن يتحقق أبداً على أيدي هؤلاء.

فُوجئَ النَّاس وفُوجئَ النائب العالم بحلِّ البرلمان بعد أن كان هو رئيساً للجنة مرافعات تطبيق الشريعة الإسلامية، وظل يُوالي مع اللجنة عملية الدراسة والتقنين عبر ثلاثين اجتماعاً. وفي غيبة البرلمان صدر قرارٌ خطيرٌ في مسألة تمس حياة النّاس الشخصية. فوقف النائب العالم ضد هذا القرار لأنه مخالفٌ للإسلام والدستور، ولكن القاعدة تقول: أنَّ البرلمان كلّه يمكن أن يحل بقرار إذا أرادت الدولة فرض أمر على الناّس حتى ولو كان مخالفاً للإسلام.

أما أهم قاعدة يستند إليها البرلمان فقد لخصها النائب العالم بقوله:ـ

(إنه مهما أُوتِيتُ من حجج ومهما استند موقفي إلى الكتاب والسنّة فإن من عيوبِ البرلمان ومسئوليته الفادحة أنَّ الديمقراطية تجعل القرار مُلكاً للغالبية المطلقة بإطلاق وبلا قيد ولا شروطٍ ولو خالف الإسلام) .

أحس النائب العالم بأنَّ زحفاً من التضييق عليه يشتد من جانب الحكومة، ومن رئيس البرلمان، ومن حزب الغالبية؛ وافتعلت رئاسة البرلمان ثورات ضده، واتهمته بأنه يُعطل أعمال اللجان. ولكنَّه استمر في بذل جهوده. فقدم العديد من الأسئلة التي لم تدرج في جداول الأعمال، وقام بالعديد من طلبات الإحالة فوجدها قد دُفنت ولم تقم لها قائمة، ثم عاد إلى استخدام سلاح الاستجواب الذي لا يمكن رده. فاستجوب وزراء الحكومة عن ضرب الدولة للقضاء الشرعي والأوقاف، والمعاهد الدينية، ومكاتب تحفيظ القرآن الكريم، وعن ضربها لمناهج التعليم في الجامعات الدينية بحجة تطويرها، وعن ضربها للمساجد بإصدارها قانوناً لا يسمح لأحد حتى ولو كان من (المشايخ) أن يدخل دُور العبادة، وأن يقول ولو على سبيل النصيحة الدينية قولاً يُعارض به قراراً إدارياً أو قانوناً مُسْتَقِراً؛ ومن فعل ذلك حبس وغرم، فإن قاوم ضُوعفت الغرامة وسجن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت