فهرس الكتاب

الصفحة 15020 من 27364

وهذا الموقف النبيل من شرع الله الجليل انسحب على أمة الإسلام من عامتهم وخاصتهم تأثراً بعلمائهم، فإنهم بتعظيمهم للشرع قد أوجدوا سياجاً منيعاً في قلوب الخلق حول أحكام الملة؛ فاستقر في النفوس تعظيمها وتبجيلها وإكبارها، وأضفوا على النصوص هالة من الوقار والجلال، فلم يتجرأ أحد على العبث بالحرام والحلال، ولا تجاسر على الاستطالة عليها رقيق الحال، بل كل واحد منهم عرف مكانته ومكانه، حتى إذا انزلت بأحدهم نازلة يمم شطر هذا العالم أو ذاك؛ فسألوهم إذ لم يعلموا، إعمالاً لقوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (الإنبياء-7) .

الاستهانة بالفتيا في العصور المتأخرة:

ثم تطاولت الأيام، ومضت السنون، ووقعت السنن، وحلت الأقدار بما مضى به القلم، وأصاب هذه الأمة ما أصاب سائر الأمم، وأصبح الحال كما جاء في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله يقول:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا ، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (8) .

ولا يزال أمر الأمة في انحدار وسفال حتى ظهر الرويبضة التافه يتكلم في أمور العامة واندثر عصر المفتين وجاء عصر المفتونين، وذهب زمن العلماء وجاء زمن المثقفين؛ بل وأنصاف المثقفين! وصار يفتي من ليس بفتي، وأصبحت مسائل الشرع وأحكام الملة كالكلأ ترتع فيه كل سائمة، وحتى مصنفات الأئمة ودواوين الإسلام لم تسلم من عبث الأقزام؛ بل من ذا الذي لم يعد يفهم الدين أصولاً وفروعاً في هذا الزمان؟! أليست المدارس قد انتشرت، والكتب الشرعية قد طبعت؟! إذن لماذا الكبت على حريات الناس، وتكميم الأفواه عن الكلام في الشريعة؟! لماذا التسلط على عقول الآخرين والحجر على أفكارهم؟! وهل هذه إلا رهبنة، ولا رهبانية في الإسلام!!"اللهم إنا نشكو إليك هذا الغثاء".

وما نراه اليوم في الفضائيات من فضائح على هيئة نصائح، ومواقف مخزية، وفتاوى مردية، وأقوال مخجلة، وآراء مجلجلة،"مبنية على التجري لا التحري، تعنت الخلق، وتشجي الحلق"، من قبل مفتي الجمهور، والعالم الهامور، الذي"يفتي في وقت أضيق من بياض الميم، أو من صدر اللئيم، بما يتوقف فيه شيوخ الإسلام، وأئمته الأعلام" (9) ؛ لهو أكبر دليل على تسيب الفتوى، وانحلال عقد الأمور، والتعدي على حرم الشريعة.

قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه:"لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي كان قبله، أما إني لست أعني عاماً أخصب من عام، ولا أميراً خيراً من أمير، ولكن علماؤكم وخياركم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفاً، ويجيء قوم يقيسون الأمور بآرائهم، فيهدم الإسلام ويثلم (10) ."

ليس البلية في أيامنا عجب

بل السلامة فيها أعجب العجب!

وصرنا في زمان قل فيه العلماء وظهر أشباههم، وارتفع الأدعياء وكثر اتباعهم، وبرز المتعالم بل والعالم الماجن!، وبَدَا إبليس في صورة قديس، وجاؤوا يركضون وراء"العصرنة"ويلهثون خلف"التنوير"، وركبوا الصعب والذلول لإحياء المهجور، وتعلقوا بالرأي الشاذ المغمور، فكانت النتيجة: إذابة الفوارق، وتمييع العقيدة، وتحريف النصوص، وتعطيل الأدلة، وتبديل الفضائل، وتخريج الرذائل، والطعن في المسلمات، والتشبث بالغوامض والمبهمات، ...في غيرها من أخواتها النحسات النكدات، التي ملؤها التمويت والتمويه والتهوين، فاللهم غفراً.

ولقد حذرنا النبي من أناس يتشدقون بالعلم وليسوا أهله، يلوكون المسائل كما تلوك البقرة بلسانها، وأخبرنا أن من أشراط الساعة أن يطلب العلم المتين من هذا الصغير المهين، كما جاء في حديث أبي أمية الجمحي رضي الله عنه: أن رسول الله قال:"إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر" (11) .

وليس المراد ب (الأصاغر) ههنا صغر السن.. كلا، بل المراد صغير القدر، ضحل العلم، ضائع التقوى، بائع الفتوى؛ لأن هذا الأمر مداره على الأهلية وليس على طول القامة، وكبر العمامة، فالعلم لا يقاس بالأشبار، ولا يعترف بالأحجام.

قال إبراهيم الحربي رحمه الله (ت285ه) :"الصغير إذا أخذ بقول رسول الله والصحابة والتابعين فهو كبير، والشيخ الكبير إن ترك السنن فهو صغير". أه (12) .

وذكر الإمام أبو عمر ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) هذا الحديث وأحاديث أخر، وبوب على ذلك ب: بابٌ، حال العلم إذا كان عند الفساق والأرذال، ثم قال رحمه الله (ت463ه) :"وقال بعض أهل العلم: إن الصغير المذكور في الحديث إنما يراد به الذي يستفتى ولا علم عنده، وإن الكبير هو العالم في أي شيء كان، وقالوا: الجاهل صغير وإن كان شيخاً، والعالم كبير وإن كان حدثاً... واستشهد بعضهم بأن عبدالله بن عباس رضي الله عنه كان يستفتى وهو صغير، وأن معاذ بن جبل وعتاب بن أسيد كانا يفتيان وهما صغيرا السن، وولاهما رسول الله الولايات مع صغر أسنانهما، ومثل هذا في العلماء كثير."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت