فهرس الكتاب

الصفحة 15021 من 27364

إلى أن قال: ومما يدل على أن الأصاغر من لاعلم عنده ما ذكره عبدالرزاق وغيره، عن معمر، عن الزهري قال:"كان مجلس عمر مغتصاً من القراء شباباً وكهولاً، فربما استشارهم ويقول: لا يمنع أحدكم حداثة سنه أن يشير برأيه، فإن العلم ليس على حداثة السن وقدمه؛ ولكن الله يضعه حيث يشاء. أه (13) ."

والآثار عن السلف مستفيضة في ذم الفتيا بغير علم، والنهي عن سؤال غير العلماء، والتنفير من الاستماع للجاهل الحقير، صيانة للإسلام وحماية لبيضته أن تستباح، ونصحاً لعباد الله المؤمنين، فكيف بمن جمع"حشفاً وسوء كيلة"! وصار ضره أقرب من نفعه! فالحذر الحذر أيها المسلمون كما قال هَرِم بن حيان رحمه الله:"إياكم والعالم الفاسق. أه (14) ."

وهؤلاء المتسلطون على ذخيرة الأمة، والساطون على ذخائر التراث، يتقحمون دار الفتيا بدعوى الاجتهاد، ويتخذونه مطية للتجني على النصوص الشرعية لا للجني منها، وفتحوا باب"المصلحة"على مصراعيه، فلا ضابط لها عندهم ولا قيد، وأصبح واسعاً فضفاضاً يلج منه كل من أراد الانتهاك أو التهوك.

زد على ذلك أنهم إذا تناولوا مسائل الشرع بالبحث والنظر؛ تناولوها بروح المنهزم المتراجع تحت ضغط الواقع؛ فينبهرون من وصول الغرب إلى المريخ، وينسون ما سطره أسلافنا في التاريخ، ويبهتهم التطور والتحضر والعمران ويجعلونه جزءاً من أصول فقههم، ومراعاة التكنولوجيا والتمدن مقصد من مقاصد شرعهم!

فهذه ثلاث عورات لهم:"اجتهاد"لا محدود، و"مصلحة"بلا حدود، وانهزام أمام الواقع المنكود.. فماذ بقي ياعباد الله!!

ولعل احتمال ظهور أمثال هؤلاء هو الذي حمل بعض من سبق من أهل العلم على القول باقفال باب الاجتهاد؛ خوفاً من أن يخوض في هذا الأمر من ليس أهلاً له فيعبث بالديانة، خاصة في آخر الزمان حين تقل الأمانة، فلله درهم ما أبعد نظرهم.

وإن كنا نقول: إن الاجتهاد أمر مطلوب لسد حاجات الأمة، ولا مفر من الإقرار والأخذ به؛ لكن لابد من ضبطه بالضوابط، وتقييده بالقيود، وإلا أصبح مطية ذلولاً لكل مارق ومعاند؛ فإن الاجتهاد"حركة عقلية في احكام الدين المشروعة لمصالح الأمة، وليس الاجتهاد مجرد حركة عقلية تتجه مباشرة إلى المصالح" (15) ، والقول بغير ذلك يؤدي إلى تلاعب التافهين بكلام رب العالمين، وسنة سيد المرسلين، وحينئذ ليس ثمة اجتهاد وإنما هو اجتثاث واجهاض، ينتج عنه قزع من الفتاوى الممسوخة.. عياذاً بالله.

وأنا أذكر لك هنا مثالين اثنين لتستبين سبيل القوم:

المثال الأول:

ما قاله الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله (ت1363ه) في كتابه: (فتح المنعم) في بحثه عن تجويز حلق اللحية، قال: ولما عمت البلوى بحلقها في البلاد المشرقية حتى إن كثيراً من أهل الديانة قلد فيه غيره خوفاً من ضحك العامة منه، لاعتيادهم حلقها في عرفهم بحثت غاية البحث عن أصل أخرِّج عليه جواز حلقها حتى يكون لبعض الأفاضل مندوحة عن ارتكاب المحرم باتفاق، فأجريته على القاعدة الأصولية، وهي: أن صيغة (افعل) في قول الاكثرين للوجوب، وقيل: للندب، وقيل: للقدر المشترك بين الندب والوجوب، وقيل بالتفصيل: فإن كانت من الله تعالى في القرآن فهي للوجوب، وإن كانت من النبي كما في الحديث هنا على الروايتين وهما رواية (وفروا) ، ورواية (اعفوا) فهي للندب.أه.

"فهذا القول حكايته تغني عن التدليل على بطلانه، فالشيخ قد أقر باتفاق العلماء على حرمة حلقها، ثم سعى إلى تخريج فاسد ترتب عليه نسف جميع الأوامر النبوية حيث جوز مخالفتها، لأنها تدل على الندب لا الوجوب كما يدعي، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (16) .

والمثال الثاني:

ما قاله الدكتور وهبة الزحيلي هداه الله وغفر له حين تكلم عن قبول شهادة النصراني، فقال بعد كلام له حول جواز التلفيق بين المذاهب: فإن الحكم بشهادته ينقض؛ لأن الفاسق لا تقبل شهادته، والكافر أشد منه فسوقاً وأبعد عن المناصب الشرعية في مقتضى القياس، فينقض الحكم لذلك؛ ولقوله تعالى: وأشهدوا ذوي عدل منكم (الطلاق-2) ، وهو رأي المذاهب الأربعة، إلا الحنابلة فقد أجازوا شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم، عملا بقوله تعالى: أو آخران من غيركم (المائدة-106) .

ثم يأتي بعد هذا التقرير الجيد والمشهور في كتب الفقهاء يستدرك على نفسه فيقول: لكني أرى أن الأسباب المعنوية والاجتماعية، والظروف الخاصة، والتعصب الذي كان موجوداً في التاريخ بين المسلمين وغيرهم هو الذي أدى إلى رفض قبول شهادة غير المسلمين، أما الآن وقد عاش المسلمون مع غيرهم في صعيد واحد، واتصلوا اتصالاً وثيقاً مع بعضهم، فلا مانع من قبول شهادتهم على المسلمين للضرورة، وقد جرى العمل على ذلك في البلاد الإسلامية!! (17) .

هذا هو"الفقه الطائش"، الذي يتخطى النصوص، ويخطيء الأسلاف، ولا ينظر إلا إلى المصلحة (الضرورة) .. والمصلحة فقط وبلا قيود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت