هذا العلم الذي يقدمه جودت وأصحابه، على النصوص اليقينية هو ميراث الصراع بين الكنيسة ورجال العلم في أوربا، بينما لم يعرف المسلمون شيئاً من ذلك خلال تاريخهم الطويل، بل إن الإسلام شجع الحركة العلمية، فكانت حضارته حضارة رائدة منضبطة بالخلق والدين.
أما العلم الذي يريده هؤلاء فهو"العلم الذي تجنب البحث عن الغاية من الخلق، والنظر في الطبيعة بدلاً من النظر فيما وراء الطبيعة، أي في عالم الحس بدلاً من عالم الغيب" (38) .
إن فتنة الشيخ جودت بالعلوم الوافدة، وفهمه لها فهماً لا يتناسب مع تراثنا وفهمنا لمعطيات الحضارة، هو الذي جعله يقدم تلك العلوم على النصوص الشرعية.
"فالعلاقة بين الإنسان، والكون تقوم على مبدأ التسخير من خلال مبدأ التسخير، وإدراك حقيقة أساسية، هي أن الله هو الذي سخر هذا الكون للإنسان، فقدره وخلقه بعد أن لم يكن، كما تفرد الخالق بالتشريع، فالله هو الذي ينظم هذه العلاقة بين الإنسان وهذا الكون، كما نظمها بين الإنسان والإنسان. يقول تعالى: وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون 12 {النحل: 12} (39) ."
إن إصرار جودت وزمرته، على إخضاع القرآن والسنة إلى العلوم الإنسانية والطبيعية فهماً وسلوكاً، هو نفسه مطلب العلمانيين، حيث يرون: أن أحكام الدين تعارض العلم، وتعارض المصلحة والواقع، فهي إنما جاءت لفترة زمنية، سابقة، ويريدون صبغ هذا الدين بصبغة غربية، باعتبار منشأ هذه العلوم..
ولكن كيف يكون لله الخلق والأمر، وأوامره خاضعة لرقابة خارجية، من العلوم الإنسانية الحديثة، وهي في معظمها ظنية ومتناقضة مع بعضها؟! إن هذا لشيء عجيب!!
فالتغيير عند المسلمين يبدأ من النفوس، حسب منهج الكتاب والسنة، وليس على منهج العلوم التي تتمرد على خالق السماوات والأرض، فإذا كانت الأمة على خير واستقامة وبذل وسعي جاد في إقامة العدل والحضارة، مكن الله لها، واستمر تمكينه مادامت محافظة على ذلك.
إما إذا قصرت أو تولت عما ذكرت به وتركت وظيفتها من الدعوة إلى دين الله، وعمارة الأرض بشرع الله، فسوف يزول عنها التمكين.
فلا بد من بذل الجهد، وتغيير واقع الأمة من التخلف والضعف، بامتلاك أسباب التقدم، حتى يبدأ التحول الاجتماعي والسياسي والثقافي نحو الحضارة المتكاملة، حضارة الإسلام الخالد كما أقامها الأسلاف (40) ، لا كما يريد إقامتها الأخلاف على منهج كانت وفرويد وداروين!! وأمثالهم.
والحمد لله رب العالمين.
الهوامش:
1-حتى يغيروا ما بأنفسهم: جودت سعيد، ص: (86) .
2-التفسير والمفسرون: الشيخ محمد حسين الذهبي، ج (1-372) وص: (373) ، طبعة 1381ه.
3-تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، ج (2-176-178) ، المكتبة السلفية في المدينة المنورة.
4-الفرق بين الفرق للبغدادي، ص: (120) .
5-جريدة الرياض العدد: (10481) في 1-3-1997م.
6-سيكولوجية العنف لخالص جلبي، ص: (157) .
7-ينظر: النزعة المادية في العالم الإسلامي ص: (101-111) عادل التل.
8-حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد، ص: (25) .
9-الملل والنحل للشهرستاني، ج (1) ، ص: (62) .
10-حتى يغيروا ما بأنفسهم: جودت سعيد، ص: (86) .
11-المرجع السابق، ص: (96) .
12-سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي، ج (4) ، ص: (185) .
13-النزعة المادية: عادل التل، ص: (37) .
14-الفتاوى الكبرى لابن تيمية، ج (8) ، ص: (238) .
15-تفسير ابن كثير، ج (4-718) ، طبعة دار الكتب العلمية.
16-تفسير الطبري، ج (13) ص: (121) .
17-النزعة المادية: عادل التل، ص: (105-106) ، بإيجاز.
18-حتى يغيروا ما بأنفسهم: جودت سعيد، ص: (25) .
19-المرجع السابق، ص: (114) .
20-اقرأ وربك الأكرم: جودت سعيد، ص: (229) .
21-فتح الباري: ج (1) ، ص: (118) .
22-صحيح مسلم، ج (4-2044) ، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما.
23-صحيح الجامع الصغير، ج (1-405) ، وصحيح سنن الترمذي: ج (2-228) ، حديث (1748) .
24-فتاوى الدكتور محمد خليل هراس، ص: (82) ، دار طيبة 1423ه.
25-شرح صحيح مسلم للنووي، ج (1) ، ص: (154) .
26-مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج (8) ، ص: (70) .
27-ينظر: السنن الإلهية في الشريعة الإسلامية: د. عبدالكريم زيدان ص: (15) ، وبعدها مؤسسة الرسالة، بيروت 1419ه.
28-المدخل إلى علم التاريخ: د. محمد بن صامل السلمي ص: (10-11) .
29-المرجع السابق ص: (12) .
30-اقرأ وربك الأكرم: جودت سعيد ص: (218) .
31-المرجع السابق، ص: (221) .
32-النزعة المادية في العالم الإسلامي، ص: (123) ، عادل التل.
33-34- اقرأ وربك الأكرم ص: (222-223) .
35-اقرأ وربك الأكرم ص: (224-225) .
36-النزعة المادية: عادل التل، ص: (131) .
37-في ظلال القرآن، ج (1) ، ص: (182) ؛ بإيجاز يسير.
38-39- مذاهب فكرية معاصرة: الأستاذ محمد قطب، ص: (263، 432، 435) .
40-المدخل إلى علم التاريخ: د. محمد بن صامل السلمي، ص: (19) .