فهرس الكتاب

الصفحة 15016 من 27364

فالشيخ لا يخفي رأيه هنا، بأن هذه الآية قد نقلت مصدر الأدلة من القرآن الكريم إلى آيات الآفاق والأنفس فيقول:"هذه الآية تنقل أدلة موضوع الفكر الديني الذي تقرره آيات الكتاب، تنقل مصدر الأدلة من آيات الكتاب إلى آيات الآفاق والأنفس، وهذه النقلة بعيدة المدى لم تكن البشرية مهيأة لها من قبل، بل لا تزال غير مهيأة لها حتى الآن... وهذا ما جعل مصدر أدلة العلم والإيمان مختلفة في أذهان العالم المعاصر، فجعلوا الدين غير العلم، وأن مصدر العلم من الواقع، ومصدر الدين من الغيب، وهذه الآية تدمج الدين دمجاً كاملاً في العلم الواقعي في المحيط الإنساني ليكون موضوع تأمل الناس" (30) .

فمن هم الذين جعلوا العلم غير الدين؟! أليسوا هم سادته في أوربا، والذين ينقل عنهم هذه الآراء؟! لقد كانت العلوم عند المسلمين منبثقة من الكتاب والسنة طوال عهود حضارتهم.

ويقرر الشيخ جودت أن الأدلة عن بدء الخلق ليست في الكتاب وإنما في السير في الأرض فيقول:"إن آية الآفاق والأنفس حددت مكان الدليل ومصدره؛ بأنه ليس الكتاب فلا نطلب كيف بدأ الخلق من الكتاب، وإنما نطلبه من السير في الأرض والنظر، كما أمر بذلك الكتاب، فالحكم في الكتاب أي القرآن - والدليل في الواقع والأرض، وآيات الآفاق والأنفس" (31) .

إنها لجرأة عجيبة بحق كتاب الله، لم يتجرأ عليها حتى العلمانيون والمستشرقون في تعطيل آيات القرآن، وصرف النظر والدليل إلى حفريات الملاحدة ونظرياتهم المتناقضة.

قال تعالى: وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسولل فالشيخ يخالف كتاب الله وسنة نبيه وإجماع علماء المسلمين، بأن المرجع عند الاختلاف هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

وبناء على هذا التوجه، فآيات الله تحتاج إلى الشهادة الدائمة والتزكية المستمرة من آيات الآفاق والأنفس كعلم النفس والاجتماع ونظريات داروين وكانت، وفي هذا تحكم في كتاب الله من مصدر آخر غير الوحي والأدلة الشرعية" (32) ."

ويزداد الشيخ صراحة، ويكشف عن خفايا انحرافه حينما يقول:"وللمجادل أن يصادر آيات الكتاب، ولكن لا يمكنه أن يصادر آيات الآفاق والأنفس، فمن هذا الجانب صار دليل الدين دليلاً عالمياً، وليس دليلاً لطائفة معينة من الناس" (33) .

ويعتبر أن المعارف القديمة ظنية وتابعة للأهواء قبل أن تشهد لها العلوم المعاصرة. يقول:"فحينما بدأ علم النفس والاجتماع يأخذ أدلته من الآفاق والأنفس صار علماً."

وكذلك سيكون شأن الدين، حين يصير علماً في ظل آيات الآفاق - أي علوم الطبيعة - والأنفس" (34) ."

ويكرر جودت سعيد هذا الرأي فيقول:"إن منهج آيات الآفاق والأنفس هو الذي سيحدد معنى الكتاب، ومعنى السنة ومعنى فهم الناس لهما على مر التاريخ... وإن لهما - أي آيات الآفاق والأنفس - نوعاً من الوحي والأسلوب الذي يعلن به الله إرادته لخلقه... وهما طريقان لتحويل الدين إلى العلم والعالمية..." (35) .

قد لا يتعجب المسلم حين يسمع أن علمانياً يطالب باستبعاد العمل بكتاب الله وعدم العودة إلى تطبيق الشريعة في الحياة، وأما أن يصدر هذا ممن يتشدقون بالعمل والتجديد في حقل الدعوة الإسلامية، فذلك أمر يدعو إلى مزيد من التأمل في هذه الظاهرة الغريبة ومتابعتها (36) .

هذا وإن اعتماد جودت سعيد على مدلول الآية: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم... وتفسيرها تفسيراً منحرفاً يخالف ما قرره علماء التفسير الثقات.

قال القرطبي رحمه الله: سنريهم آياتنا في الآفاق أي علامات وحدانيتنا وقدرتنا في الآفاق - في الآفاق: يعني خراب منازل الأمم الخالية وفي أنفسهم أي: بالبلايا والأمراض.

وقال ابن كثير - رحمه الله:"أي سنظهر لهم دلالتنا وحججنا على كون القرآن حقاً منزلاً من عند الله على رسول ا صلى الله عليه وسلم ، بدلائل خارجية: (الآفاق) من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان".

ويقول سيد قطب رحمه الله:"إن كل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة، بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة تحتوي أولاً على خطأ منهجي أساسي، كما أنها تنطوي على ثلاثة معاير، كلها لايليق بجلال القرآن الكريم:"

الأولى: هي الهزيمة الداخلية، الذي يخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع.. والعلم ما يزال في موضوعه ينقض اليوم ما أثبته بالأمس..

والثانية: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته، وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة، تعالج بناء الإنسان بناء يتفق مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي.

والثالثة: هي التأويل المستمر - مع التمحل والتكلف - لنصوص القرآن؛ كي

نلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجد فيها جديد.

ولكن هذا لا يعني ألا ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات وحقائق عن الكون والحياة والإنسان في فهم القرآن، بل نظل نتدبر كل ما يكشفه العلم في الآفاق والأنفس من آيات الله.. (37) .

فتنة أتباع المدرسة المادية (المعاصرة) بعلوم الحضارة الغربية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت