وكتابة الله عز وجل لأعمال العباد لا تقتضي جبرهم عليها أصلاً، وإنما هي تسجيل لما علم الله أن العباد يفعلونه باختيارهم، فإن العلم الأزلي المحيط قد كشف الله عز وجل كل الأمور المستقبلية، التي من جملتها أعمال العباد، فكتبها الله على الوجه الذي يتعلق به العلم.
"وغاية ما في الأمر: أن ما تعلق به العلم لابد أن يقع.. ولا شك أن من جملة ما تعلق به العلم هو اختيار العباد لأفعالهم الصادرة عنهم بقدرهم وإرادتهم، فلا يصح لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب، فإن الله لا يشاء من العباد إلا ما علم أنهم يشاؤونه لأنفسهم، ولا يظلم ربك أحداً" (24) .
وقد أنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها، ولم يتقدم علمه سبحانه بها، وإنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها، وكذبوا بذلك على الله سبحانه، وجل عن أقوالهم الباطلة علواً كبيراً (25) .
ويزعم أصحاب المدرسة المادية رغم كل النصوص الشرعية أن الإنسان خالق لأفعاله، وأن الإيمان بالقدر يعطل فعالية الإنسان، لذلك اتبعوا منهج القدرية النفاة. بينما كان الإيمان بالقضاء والقدر قوة دافعة في حياة الأمة المسلمة، قوة إيجابية سطر المسلمون خلالها حضارة متوازنة بشجاعة وإقدام، ونشروا العدل والخير في العالم.
قولهم بحتمية السنن في الأنفس والآفاق:
ونتحدث هنا عن:
-السنن في مفهوم أهل السنة والجماعة.
-المفهوم البدعي للسنن عن أتباع المدرسة المادية.
-فتنة أصحاب هذا التيار بعلوم الحضارة الغربية.
1-السنن في مفهوم أهل السنة والجماعة:
مصادر الأدلة عند المسلمين هي مصادر الشرع وأصول الدين، وهي قائمة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
ولا يجوز الخروج عليها، ولا ترك شيء منها، أو إلغاء مصدر منها، أو إهمالها لأي مسلم.
والسبيل إلى معرفة (سنة الله) هو الرجوع إلى كتاب الله العظيم، وسنة نبيه الكريم، فما فيهما هو القول الفصل، والقانون العام الذي تجري بموجبه أحداث ووقائع البشر، وذلك هو الحق المبين والقول الصدق ومن أصدق من الله قيلا 122 {النساء: 122} .
قال ابن تيمية - يرحمه الله:"فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات" (26) .
ويذكر الدكتور عبدالكريم زيدان في كتابه: (السنن الإلهية) أن البشر يخضعون لقوانين ثابتة يسميها القرآن بالسنن - في تصرفاتهم وأفعالهم وسكونهم في الحياة، كسنة الله في أمر الطغيان والطغاة، وسنة الله في بطر النعمة، وسنته في الذنوب والسيئات، وسنته في الترف والمترفين، وفي الظلم والظالمين، وسنته في الفتنة والابتلاء، وسنته في الأسباب والمسببات وهكذا (27) .
فالله سبحانه وتعالى جعل في خلقه سنناً، وأرشدنا إليها، وطلب منا التعرف عليها، والتعامل معها.
اقرأ قوله تعالى: قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين 137 {آل عمران: 137} .
وبالنظر في كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، نجد أن السنن ثلاثة أنواع.
أ- سنن خارقة للعادة ومألوف الناس: مثل الآيات والبراهين التي يجريها الله على أيدي الأنبياء عليهم السلام، والكرامات الصحيحة لأولياء الله من عباده المؤمنين.
ب - سنن جارية طبيعية: كسنة الله في تعاقب الليل والنهار، والشمس والقمر، فهي تجري وفق ناموس محدد، قدره الله لها.
ج - سنن جارية شرعية: تتعلق بأمر الله ونهيه، ووعده ووعيده، مثل نصر الله لأوليائه، وإهانته لأعدائه، وابتلائه لبعض عباده المؤمنين.
وهذا النوع يدرك ويرى متحققاً في الواقع من خلال النظر في التاريخ، وملاحظة مصائر الأمم وقيام الحضارات وسقوطها وأسباب ذلك (28) .
قال تعالى: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين 6 {الأنعام: 6} .
وفائدة معرفة السنن الشرعية هو التجاوب معها أمراً ونهياً، عملاً وامتناعاً، فإذا كانت السنة الربانية تطلب منا عملاً وتأمرنا بأمر، مثل سنة التمكين وسنة تحقق النصر وسنة رفع البلاء والمكروه، فلنقم بذلك الأمر حتى نستجلب خير السنة الإلهية.
وإذا كانت تنهانا عن شيء، وتطلب منا الإقلاع عنه، حتى لا تحيق بنا السنة الربانية، فلنتجاوب مع ذلك، ونتجاوز مواقع الخطأ التي قادت الجماعات البشرية السابقة إلى الدمار والهلاك، والتي قص الله علينا خبرها، وبين سبب هلاكها، وأخذها في كتابه الكريم (29) .
2-المفهوم البدعي للسنن عند أصحاب المدرسة المادية:
عندما تناول الشيخ جودت سعيد مصادر الأدلة، تعامل معها من خلال نظريات علم الاجتماع الوضعي، وأخضعها للمنهج المادي.
وقد فعل ذلك عند تفسير قوله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى"يتبين لهم أنه الحق 53 {فصلت: 53} ."