لقد ظهرت دراسات تحليلية كثيرة في القرن العشرين عن الإسلام والمسلمين، وعن القرآن الكريم، وعن السنة النبوية، وعن السيرة النبوية، وعن الثقافة الإسلامية، وعن الشريعة الإسلامية، وهذه المؤلفات قامت بعقد دراسات مقارنة، والمقارنات منذ القديم تستهدف شيئاً أساسياً وهو تصوير الرسول صلى الله عليه وسلم أنه مصلح اجتماعي عكس ضرورات البيئة العربية في مكة، ويقول جب Gib:"إنه نجح لكونه أحد المكيين"بمعنى أنه عبَّر عن الحاجيات المحلية، ومهما اختلفت العبارات ما بين قسوة كاملة تتسم بسوء الأدب عند ذكر الرسول، - عليه الصلاة والسلام - وهذا ما يقوله المستشرقون المتأخرون عن المتقدمين بأنهم أساءوا جداً -، وبين دراسات أكثر موضوعية وحياداً، ومهما اختلفت الصورة تبقى هناك قضية أساسية وهي أن جميع المستشرقين - متسامحهم ومتعصبهم - يتأثرون بوسطهم الثقافي المعادي للإسلام إلا من أسلم منهم، وهم قلة كما تعلمون مثل"أتين دينيه"، صاحب"محمد رسول الله"و"أشعة من نور الإسلام"وهو فرنسي، ومثل"موريس بوكاي"الذي قارن بين القرآن والانجيل والتوراة، ولما تبين له أن الكتب السماوية المحرفة تتناقض مع العلم، وأن القرآن لا يتناقض مع أية حقيقة علمية ثابتة عندئذ أعلن تشهده وإيمانه بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبأن القرآن كلام الله، وهو من كبار العلماء الفرنسيين في الطبيعيات، وهؤلاء قلة أمام الكثرة الكاثرة التي استمرت تصور الرسالة الإسلامية على أنها هرطقة ( الهرطقة: اصطلاح يطلق على المنشقين عن الكنيسة النصرانية ) فهم يرون أن الإسلام هرطقة، وحركة خارجة عن النصرانية، وأن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لم يكن نبياً موحى إليه وإنما كان على حد أحسن تعبيراتهم وهو ما يقوله مونتغمري وات أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة لندن، وهو من أحدث الذين كتبوا في السيرة النبوية من المستشرقين في كتابيه:"محمد في مكة، محمد في المدينة"وهو يقول:"إن محمداً صادق، لأنه يخيل إليه أنه بعث نبياً، وأنه يحمل رسالة، وأنه يوحى إليه".
هذا المستشرق لأنه يعيش في هذا القرن الذي تبلورت فيه علوم جديدة لم تكن موجودة عند المستشرقين في القرن التاسع عشر أو القرن الثامن عشر أو القرن السابع عشر أو مع البدايات الاستشراقية مثل: علم النفس التحليلي، علم الاجتماع، والعلوم الاقتصادية والاجتماعية الحديثة، لذلك نجد أن تقنية البحث عند مونتغمري وات تختلف عن التقنية القديمة من حيث أنه يمزج دراسته بهذه الألوان الجديدة من العلم، وهذا قد يولد قناعة عند بعض القارئين ممن لا يعرفون السيرة النبوية معرفة دقيقة، أو ممن لا يعرفون الإسلام بصورة تفصيلية، فهو يزعم أن عملية الوحي إنما هي استشعار داخلي ولكن بصدق، فهو لا يشكك بصدق شعور النبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة، ولكنه يظن أن هذا إنما هو استشعار داخلي، وقناعة ذاتية، دون أن يكون هناك شيء خارجي اسمه الوحي.
وعندما يأتي إلى قضية الاختلاف بين أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديثه وبين أسلوب القرآن المتميز هنا يلجأ إلى علم النفس التحليلي، فيقول: إن النبي عندما يقرأ القرآن على الناس يكون في حال يضعف فيها الوعي الخارجي، ويعمل وينشط اللاشعور أو العقل الباطن، فعندئذ يكون الأسلوب مغايراً لأسلوبه عندما يكون في يقظته العقلية الكاملة، أو وعيه الظاهر الكامل، ومن هنا يأتي أسلوب الحديث مغايراً لأسلوب القرآن، نحن نعلم أن مغايرة أسلوب القرآن لأسلوب الحديث هو أحد الوسائل التي بنيت عليها موضوعات الإعجاز القرآني، باعتبار أن أسلوب القرآن أسلوب فريد متميز عن الأساليب البشرية، وأن الإسلام تحدى العرب - وهم أساطين البلاغة - بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، وأن عدم استجابتهم للتحدي مع رغبتهم في ذلك يدل على أن الأمر كان عندهم ظاهراً، بحيث تميزت أمامهم الحقيقة وهي أن هذا أسلوب مغاير لأساليب البشر، ومن هنا تبرز أهمية هذه"الفذلكة"التي يقدمها مونتغمري وات لأنها تستهدف نقض قضية الإعجاز باعتبار أن هناك أساليب متغايرة تنجم إحداها عن الوعي الظاهر والثانية عن اللاشعور، بالطبع مثل هذا إذا قُيِل ينبغي أن يطبق على سائر الأساليب لسائر الكتاب والشعراء والمفكرين في أرجاء الدنيا، وإلا لماذا يختص محمد صلى الله عليه وسلم وحده بالأسلوبين؟ ونحن نعلم أن الدراسات المقارنة والدراسات الأدبية النقدية كلها مبنية على وحدة الأسلوب بحيث يقال: إن هذا الكلام ليس من كلام فلان لأنه مغاير لأسلوبه.
إن محاولات إلقاء الرؤى الثقافية المعاصرة على الإسلام منهج خطير، ومن الناحية العلمية لا يمكن قبوله لأنه مجرد إسقاط تاريخي لرؤية ثقافية حديثة، فقبل مونتغمري وات كان المستشرقون يحتارون في تفسير ظاهرة الوحي قبل أن تبرز فكرة التحليل النفسي التي جاء بها فرويد الطبيب المشهور في مطلع هذا القرن، والتي أخذت مجالها في الدراسات النفسية والاجتماعية، وفي عالم الرواية الأدبية.