آنذاك، فهذا أمر غير ممكن، لأن ذلك يتطلب استقراراً سياسياً داخل أوروبا بالأصل،
ومن ثم نوعاً من الوحدة الأوروبية، ومن ثم البحث عن دور سياسي خارجي، وهذه أشياء لم تكن متاحة في أوروبا، المحكومة بعقول الرهبان والأمراء الجشعين، ما يجعلنا نصنف الحملات الصليبية على اختلافها، أن أوروبا لم تكن تبحث من خلالها عن دور سياسي خارجي، بمقدار ما كان يبحث الرهبان عن أسباب تدفعهم لشن الحروب على الإسلام لذاته، خوفا من الإسلام (ذاته) أن يطرق العتبات الأوروبية. إن منظر الرهبان الذين التفوا ذات يوم حول إمبراطور الرومان هرقل، وزمجروا بأصواتهم معترضين عليه، حينما أراد أن ينصف الرسالة الإسلامية بقولة حق، إن هذا المنظر هو الحاضر الدائم في عقول الرهبان، فهم لا يريدون الإسلام فحسب، ولا يفكرون إلاّ من خلال هذه المعادلة. المسألة الثانية أن سكان القارة الأوروبية في تلك الفترة، كانوا يعدون أضعاف سكان المنطقة العربية، فلم تكن الحروب متكافئة من حيث التعداد البشري، فهي قارة تعج بملايين البشر الذين تبحث أوروبا عن وسيلة تلفظهم بها إلى عالم جديد، فالحرب كانت هي صورة الحياة، والمحارب هو الذي يستطيع أن ينتزع أموال الآخرين ويستأثر بها لنفسه، وإذا كانت أوروبا قد أوجدت صيغة للتفاهم بين أمرائها الجشعين، فإن هذه الصيغة تعني في أهم دلالاتها، استهداف الأضعف نسبياً وهم المسلمون، فالحرب على الشرق، فيها دلالات كثيرة، وفيها مغانم حينما يكون المسلمون ضعفاء، وفوق هذا وذاك، ثمة ما يغري المقاتل إذا ذهب إلى الشرق، فالمسلمون لا يقطعونه إرباً ولا يشوونه حياً إذا وقع في الأسر. الشرق الساحر أيضاً في جغرافيته، والساحر بموارده وبالطعام والغنى المتوفر فيه، يجعله فرصة مهمة للأمراء، فقد كانت أوروبا آنذاك تعج بحار المتوسط بسفنها، وكانت هذه السفن ليست لها إلا لغة القراصنة، فكلما وجدوا الفرصة سانحة لهم للانقضاض على أي هدف إسلامي، فلم يكونوا يتأخرون. الصهيونية الدور المختلف بالنسبة للصهيونية كان دور فلسطين واضحاً للعيان لها وللغرب، وذلك بعد أن تغيرت خريطة الكون السياسية مرات عديدة خلال القرون الماضية، وظهرت أهمية فلسطين وتزايدت بعد الاكتشافات الجغرافية الحديثة، لما تمثله من حلقة وصل بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، والأهم من ذلك كله، موقعها بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، حيث تتوسط درع القوة فيه، وانتزاعها يعني إعادة تشكيل المنطقة على قاعدة التقسيم التي ستحول دون أن تقوم للأمة قائمة. لذلك، عندما باتت أهمية فلسطين واضحة بهذا الشكل، بات الغرب يريدها لذاتها، ولا مانع لديه من أن يساهم في خلق الأساطير والمزاعم الدينية بغية إبراز قيمتها وأهميتها لليهود لجلبهم إلى فلسطين، ومن هنا فالغرب، كان يدرك طبيعة اللعبة السياسية، وأراد أن ينتزع فلسطين، لمنع قيام وحدة إسلامية، ولمنع قيام خلافة إسلامية مجددا يكون محورها العرب، وهو أمر صريح جاء على لسان الجنرال النبي حينما قال لحظة دخول القدس بعد انكفاء الخلافة العثمانية «الآن انتهت الحروب الصليبية» فالحروب الصليبية بدأت بغاية إزاحة المسلمين عن هذه البقعة بالذات، فحينما تعود أوربا من جديد، لتزيح المسلمين عنها، فهي تعنها حرباً صليبية جديدة على الإسلام والمسلمين، لكن مشكلتنا تمثلت في أبرز جوانبها، في النخب الثقافية التي كانت سائدة تلك المرحلة، والتي انبهرت بالثقافة الغربية، ولم تستطع أن تدرك أن الغرب الجديد، هو استعماري بكل ما فيه، وأن الثقافة الغربية هي أمر يخص الغرب، وأما نحن، فهي المادة التي يرغب بتشكيلها كيف يشاء ولسنا في نظره أكثر من ذلك. لقد وجد الصليبيون أنفسهم أثناء الحملة الخامسة، في مواجهة سياسية جديدة، لم يحسبوا لها حساباً، فقد عرض عليهم سلطان مصر أن يعطيهم فلسطين إن هم ذهبوا عن مصر وتركوه، في تلك اللحظة بالذات، كان الغرب يدرك أن فلسطين، لا يمكن انتزاعها إلا بموافقة طرف عربي على ذلك، وهو ما يعاد اليوم صناعته من جديد، ويبقى في مواجهة ذلك كله، أحفاد خالد بن الوليد، وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم.