فهرس الكتاب

الصفحة 4180 من 27364

ولقد شارك مع الأسف أبناء جلدتنا العدو الحاقد في هذه العمليات الصعبة، التي باءت بالفشل بفضل الله تبارك وتعالى، من خلال حربهم على دينهم وبني قومهم، بالقتل تارة وبالسجن تارة أخرى، وبالنفي والتضييق، وبالمقابر الجماعية.. وغيرها من أنواع التنكيل والإرهاب والاستهزاء، فهل لهؤلاء الأبناء الأعداء أن يؤوبوا إلى رشدهم، وتدركهم رحمة الله؟ قال تعالى: أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى"إنما يتذكر أولوا الألباب (19) (الرعد) ."

وهل لهم أن يعلموا أن هذه الأمة باقية وخالدة بخلود كتاب ربها، وأن الأعداء مهما كانت قوتهم سينهارون ويتقهقرون، تلك سنة الله في خلقه من أيام قوم نوح وهود وصالح، ومن زمن الجاهلية الأولى التي جاءها نبيُُّنا ص؟ يقول الحق عز وجل: ولقد \ستهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب 32 (الرعد) ، فأعداء الله جنَّدوا عساكرهم لحرب النبوة وما جاءت به من خير وسعادة للبشر، ولقد هلك قدار الذي عقر ناقة الله، وهلك أبوجهل فرعون هذه الأمة، وتقهقر الروم والفرس، وباء المغول والتتار والصليبيون بالذل والعار والانكسار، وبقيت الأمة الربانية لأنها رفضت كل هزائم الآثمين في الصراعات غير المتكافئة، وصبرت ورجعت إلى الله، وتابت واستغفرت، وهي تكفر اليوم بالاستعمار الجديد الذي جاءها بأثواب العلمنة والعولمة، وبأسفار اللعنة من طرب وغناء وتمثيل وموسيقى الغرب، وبكلِّ أنواع الثقافة والأيديولوجيات التي يحملها سيل الأعداء زبداً وغثاءً، وبقيت الأمة المسلمة وهي باقية بمشيئة الله لأن دينها الحنيف يرفض ذلك الزبد والغثاء والضياع، ولأنه رسالة الخالق للخلق، وله مهمة مقدسة حملها الأنبياء وأتباعهم، لإرشاد الآخر المعاند، وكان النصر للمؤمنين، وهو كائن إلى يوم الدين.

روى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ص:"لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله: وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس".

أجل... إلا ما أصابهم من لأواء، ومن شدة وحصار وقتل وسجن وإرهاب وتدمير، وما وهنت الطائفة المؤمنة وما استكانت، وتلك عقيدتها مهما أصابها من سوء، وصدق الله القائل: وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما \ستكانوا والله يحب الصابرين 146 وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا \غفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين 147 (آل عمران) . والسِّير تعيد أفعالها الحميدة بأيدي المؤمنين الصابرين في فلسطين وفي الشيشان وفي أفغانستان وفي جنوب الفلبين واليوم في بغداد العراق، وفي كلِّ أرض يُحارَب فيها أنصار دين الله، إن حضور الأمل بصلاح الأمة، وإعادة توجهها إلى الله، بدأ يحلُ محلَّ الغفلة المظلمة، وربانية هذه الأمة تؤكد قدرتها على تخطي العقبات، وعلى معالجة ما أنتجته حضارة الآخرين، وعلى تقويم وتصويب مسيرة الحضارة الإنسانية على مراقي السمو والأمن، ولتسقط إلى الأبد مذاهب الانتكاسات والنكبات التي حملها للأمة أتاتورك وطه حسين، وأهل الحداثة والتغريب، وأتباع طغاة الغرب وأهل القبعات وتربية الكلاب.

ولحضارة الآخرين المعاصرة مزايا، ولكن سوءاتها ومثالبها أكثر وأكبر وأخطر، وسعيهم للقضاء على الإسلام والأمة المسلمة لم يعد خافياً، وإن أسباب العافية لأمتنا الربانية موجودة بين أيدي أبنائها، رغم تعدد الآفات، وتنوع الأمراض، ولقد أصيبت من قبل بابتلاء وشقاء، وهبَّت قوية عزيزة بما وهبها الله من أسباب النهوض من كبوتها، فهي الأمة المستخلصة، وهي أمة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فقيم الإسلام في الأخلاق والمعاملات، وقيمه في التربية والتنشئة، وقيمه في إيجاد الوعي، وتفعيل القدرات، وتوجيه الطاقات الروحية والمادية، وقيمه في قيادة عملية التغيير... تمنح الأمة الأداة ذات الطَوْل والتأثير للتغلب على المفاسد والخلل، وتغذيها بمناهج المعالجات البصيرة للتشوهات التي أصيب بها جسدها، وثمرة ذلك مواجهة الأباطيل، ودحر شوكة الأذى، وكبح جماح الأعداء الذين ملكوا القدرات الهائلة من القوة العسكرية ومن وسائل أخرى لا تقل خطورة عن الأولى في الثقافة أو الاقتصاد أو الفساد.

في حاضر أمتنا غيابٌ لروح النهج الذي كان عليه الرعيل الأول من الصحابة والتابعين، أعني مجاهدة النفس وبناء الذات، فلقد قال رسول الله ص:"المجاهد من جاهد نفسه في الله"أخرجه الترمذي وابن حبان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت