فهرس الكتاب

الصفحة 4181 من 27364

فتربية النفس المسلمة وتزكيتها بالعبادات، وبالصفات المحمودة، وتوجيه طاقاتها في مسارات الولاء لله والوفاء لأهل دينه، وشحن رؤاها بالشوق إلى الله وتذوق حلاوة الإيمان، واسترخاص النفس في ميادين الجهاد ودرب الاستشهاد، كلُُّ ذلك يرفعها فوق مراتع الابتذال في حياة اللهو بل ويسمو بها على المستنقعات الوثنية الشيطانية في هذا العصر، ويجعل لها الوسيلة الطاهرة، والهدف الأسمى، ويمتد بفطرتها التوَّاقة إلى الخير لتلتقي بصدقها ويقينها بمسؤولياتها في مجتمع الأمة المسلمة التي تدين لربانيتها بمعاني الأخلاق ومعاليها، وكره سفسافها، وتعيش بجمال التزامها بدينها الحق ولغتها الأثيرة لغة القرآن العظيم، وتصوراتها الفينانة بسعادة البشرية.. وخصائصها في النصرة والإيثار والتضحيات، ومن التثبت في أدائها، وإتقان ترجمتها إلى سلوك يومي، فيه التوازن والتواؤم بين متطلبات أبناء المجتمع، وهذا ما يولِّد البناء الرصين لجسد الأمة الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، أي بالنصرة والتفاعل، وهذا ما يولد القدرة على استنهاض الهمم، والمنافسة والإقبال على رضوان الله في الميادين التي نوَّهنا بها من قبل.

ويشهد لهذه الأمة حتى أعداؤها، وهم صاغرون، لأن نور الشمس لا تحجبه يدٌ باغية، ولا ثوب بال، ولا لعبة قذرة، فأمتنا بربانيتها وخلودها هي التي تستطيع توحيد الخلق تحت راية فطرتهم قبل أن يدنسها شياطين الإنس والجن، يقول دينون في كتابه"العواطف كأساس للحضارة"بعد حديث عن حال الناس آنذاك:

"كانت المدنية في القرنين الخامس والسادس كشجرة ضخمة فارعة امتد ظلها إلى العالم كله، وهي واقفة تترنح، وقد تسرَّب إليها العطب حتى اللباب، وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحَّد العالم جميعه". ولد الإسلام في جزيرة العرب... ديناً ليس بحاجة إلى القيام بتجربته في حياة الناس، ولا إلى انتظار ما ينقصه في حالة التطبيق، وليس بحاجة إلى محللين أو ناقدين أو منظِّرين، لأنه دين الله العليم بخلقه، الخبير بكلِّ احتياجاتهم ومشاعرهم ونوازعهم، أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون 83 (آل عمران) !!، فأوامر الإسلام ونواهيه جعلها الله لتقويم السلوك والسمو بالنفس، وتوجيهات الإسلام ووصاياه الربانية جاءت لصياغة الإنسان المؤهل لخير الدنيا، والفوز بنعيم الآخرة، فلا مكان لظلم أو اعتداء بين الناس أفراداً أو دولاً، بل لا مكان للشح والحسد والحقد في النفوس المطمئنة بثواب ربها، والرفعة والكرامة والمكانة للناس إنما تكون بقدر التزامهم بمنهج هذا الدين، وبعبارة أدق بمقدار تقواهم لله، فلا يسخر قوم من قوم، ولا ينهب قوم حقوق الآخرين، وهنا تسقط شركات المكر والكيد، ومواقف المصالح المبنية على حساب الناس، كما نرى اليوم في حياة الغزاة والمحتلين، الذين استحلوا لحوم العباد فقطعوها، ودماءهم فشروبها، وخيراتهم فنهبوها، ولقد تلاشت صيحات المصلحين والمفكرين في العرب والشرق، أمام همجية وتترية أباطرة المال، وحوش غابة العولمة الدولية، وهم يطالبون بالحرية ومحاربة الفقر والعوز والمرض والجهل، وتهيئة البيئة الصالحة لإيجاد بستان الإخاء الإنساني.... ولكن!!

لا يسمع الصمُّ صوتاً بات يزعجهم

وحسبهم قولهم: في أذْنهم صمم

إن أمتنا الربانية ستبقى رغم كلِّ المؤامرات، ورغم قسوة الهجمة الشرسة على قيمها وأبنائها لأن رسالتها السماوية أغنتها بكلِّ أسباب البقاء والسيادة، وما حقوق الإنسان التي يطالب بها المصلحون إلا من بعض القيم والتعليمات التي نادت بها شريعة الله، كحماية المجتمع من الجهل والمرض، وتأمين حاجاته الصحية والمعاشية، وتحريم الاستغلال في العمل، والنهي عن أكل حق الأجير، وحفظ حق الأمومة، وحق الإنسان في التكريم وفي بناء أسرة، وفي التعبير والعدالة والمساواة وغيرها من حقوق رعاها الإسلام وحفظها وتوعَّد من استهان بها أو عمل على إلغائها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت