فهرس الكتاب

الصفحة 4182 من 27364

والأمة أصلح الله أمرها حين نأت عن أفياء ربانيتها، ادلهمت فوقها سحب الهموم، واستأثرت بها عواصف الأوجاع الاجتماعية، وصاحبتها الرزايا واستأسدت عليها الثعالب، بل والكلاب، فاكتوت بجمر الحسرات على مرأى السجون الملأى بالأبرار، وأحرقت كبدها غياهب القبور الجماعية وقد مضغت الهزائم، واستمرأت جلد الإهانة، وراحت تلهث خلف صدى أنين تنكره أصالتها، فروحها تمرَّدت على التصحُّر، وانطلقت على صهوات القيم، تصرخ في آذان اللاهين المغرورين، وتحدثهم عن القادم الميمون، والغائب الحاضر الذي يزيل بعون الله حالات التجهم والتشاؤم التي تغطي مساحات وجوه لا يستهان بمكانة أصحابها من أبناء هذه الأمة، فهي بحاجة إلى توقُّد حرارة العودة إلى الله، والتمكين لمعاني الصبر والرجاء، وإشعال جُذى العزائم في النفوس من أجل التغلب على قسوة الاسترخاء والفتور التي أُصيبت بها الأمة، ومن أجل أن تدخل مرحلة التغيير بوعي وقوة، وهي لم تفرِّط بهويتها الإسلامية التي طبع جلال محياها وجمال سمتها عصر النبوة منذ أربعة عشر قرناً، وهذا ليس ضرباً في الخيال، أو زرعاً في قاع البحار، وإنما هو الحقائق، وبشائر النبوة، وحتمية التغيير والمداولة على وجه المعمورة.

وربانية هذه الأمة هي المظلة الوارفة لكل المسلمين في آمالهم المنشودة، من خلال تعبئة شاملة لكلِّ قواهم الروحية والمادية، ولكلِّ قدراتهم الفائقة في عالم النهضة والإنجازات والمآثر، وهم والله أهل لذلك، ولانطلاقة باهرة تخلو من كل سلبيات أمم الكفر والاستكبار والعدوان، التي شاركت بقوة وحقد في قتل ملايين البشر خلال حربين عالميتين، مستعملة كل أنواع الأسلحة ذات التدمير المحلي والشامل، فأهلكت الحرث والنسل، وروَّعت حتى الطيور الآمنة في أعشاشها الربيعية.

إن حرب هؤلاء الأعداء ما برحت قائمة على أمة الإسلام، وما برح الغزاة يخططون لهدم شموخ هذا الدين، ألم يقل لورنس براون:"إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي" (1) ؟ ألم يقل جلادستون رئيس وزراء إنجلترا السابق:"مادام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق" (2) ؟!، ألم تكتب إحدى الجرائد الشيوعية بالخط العريض على صفحتها الأولى:"من المستحيل تثبيت الشيوعية قبل سحق الإسلام نهائياً"؟! (3) . أما بن جوريون الصهيوني فقد قال:"إن أخشى ما نخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد" (4) ، وتضيق الصفحات بما قاله أعداء الإسلام لو تعمَّدنا نقل عباراتهم الموثقة في الكتب المطبوعة وفي وسائل الإعلام.

صحَّت نبوءة اليهود بظهور نبيِّ هذه الأمة، وناصبوه العداء، فهل تصح نبوءة هؤلاء الأعداء في هذه الأيام حيث يقول إلبر مشادور:"من يدري؟! ربما يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الغرب مهددة بالمسلمين، يهبطون من السماء لغزو العالم ثانية وفي الوقت المناسب"! ثم يقول:"لست متنبئاً لكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة، ولن تقوى الذرة ولا الصواريخ على وقف تيارها، إن المسلم قد استيقظ، وأخذ يصرخ: هأنذا، إنني لم أمت ولن أقبل بعد اليوم أن أكون أداة تسيِّرها العواصم الكبرى ومخابراتها" (5) ، ولعلها هي بقرآنها وسنة نبيها، بقيمها وعدلها ورحمتها، الأمة الربانية بقوتها الدائمة، وبازدياد صحوة أبنائها، وبحبِّ الناس لهذا الإسلام الذي تكمن فيه السعادة الأبدية لكل من اعتنقه، وبالروح الاستقلالية التي تتمتع بها الأمة، فما ذابت شخصيتها رغم جحيم الاستعمار، وأوار المكائد الذي ما انطفأ في يوم من الأيام. أجل هي الأمة الربانية التي تفتح آفاق الإنسانية على هدى الله، وتعالج بطريقتها المتميزة مساوئ هؤلاء وأولئك، ولن ترضى بالتبعية العمياء المضلة في مسيرتها المباركة، لأنها مسيرة نحو النجاة ونحو الحياة الكريمة يقول الله تبارك وتعالى: يا أيها الذين آمنوا \ستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون 24 (الأنفال:24) .

وحين لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وحين يكون الخير فيها إلى قيام الساعة، وحين يبعث الله على رأس كل قرن من يجدد لها أمر دينها، وحين تهاوت المذاهب والملل بكلِّ شعاراتها وممارساتها، وأطروحاتها الخائبة، سيعود الإسلام بهذه الأمة الربانية، حيث انبعاثها من جديد بثبات أبنائها على الحق، وتمسكهم بالقرآن الذي تعهد الله بحفظه إلى قيام الساعة، والقرآن أعظم أثراً وأكبر قوة، وهو روح التألق للقلوب ومعراج السمو للنفوس، وهو يبني إذا هدم الطغاة والغزاة، وهو يبشر إذا استشرى اليأس بين المتعبين، وهو يترجم معاني الصلاة والصيام والزكاة والحج إلى سلوك ذي يقظة ووعي في حياة المسلمين وبناء المجتمع الإسلامي، وهو يردُّ بالحجة والبرهان تشكيك الملحدين والحاقدين، وهو يصنع الأبطال لحمل راية الحق، وهذا كائن، وإن أسوأ الأيام وأشدها ظلمة وكرباً هي الأيام التي تحتاج إلى صيحة الفتح والنصر. قال تعالى: ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز 40 (الحج) .

الهوامش

(1) كتاب: التبشير والاستعمار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت