فهرس الكتاب

الصفحة 24377 من 27364

إن رؤية هنتنجتون تتقاطع هنا كياً مع رؤية (فرانسيس فوكوياما) ، الباحث الأمريكي الجنسية الياباني الأصل، والذي قال: بأن انهيار القطبية الثنائية بانهيار الاتحاد السوفيتي، كإطار للشيوعية، أدى إلى انفراد الرأسمالية والليبرالية الغربية بالعالم وهو ما يمثل نهاية الاريخ، أو بتعبيره حالياً نشهد نهاية التاريخ بما هو نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية وتعميم الليبرالية الديمقراطية الغربية على مستوى العالم كشكل نهائي للحكومة الإنسانية.

التغير في مسار التاريخ والتغيرات المتلاحقة خلال ربع قرن لم تؤد إلى حالة من الانسجام أو التوافق الواحدي الاتجاه، بل على العكس من ذلك، أخذت تُشطي هذه القطبية المنفردة إلى أقطاب أخرى، فالصراع خرج من مجال ضيق بين نظامين هيمناً على البشرية خلال خمسة وسبعين عاماً إلى مجال أنظمة متعددة ومختلفة، ومن دائرة عقائدية ممنطقة ومُعقلنة إلى مجال أنظمة وجودية فكرية ترتبط بمفاهيم مؤصلة في الذات البشرية، ذات ارتباط معيوش لا يكاد ينفصل انفصالاً كلياً عن الوجود البشري في ظهوره الشخصي مثل: العرق، الدم، الطائفة، الدين، العقيدة، التقاليد، وهي ومفاهيم تُمثل: قوى للصدام، أو هويات ثقافية أو حضارية، مؤهلة للتنازع والصدام والتصارع بها بين التعدديات الحضارية، أو القُطبيات المختلفة.

الصراع الجديد إذن صراع هويات ثقافية أو حضارية وهو الذي سيحكم العلاقات بين البشر، وفي الم يُوصف بأنه مائع ترى الناس (يبحثون عن الهوية والأمان، وعن جذور وصلات لحماية أنفسهم من المجهول) ، ومع نهاية الحرب الباردة بدأت الدول في أنحاء العالم تتلمس الطريق نحو التجمع، وتجد هذه التجمعات مع دول لها نفس الثقافة ونفس الحضارة، بمعنى إن السياسة الكونية يعاد تشكيلها الآن على امتداد الخطوط الثقافية، الشعوب ذات الثقافات المتشابهة تتقارب والشعوب والدول ذات الثقافات المختلفة تتباعد، الإنحيازات التي تعتمد على الأيديولوجية والعلاقات مع القوى الكبرى تفسح الطريق لتلك التي تعتمد على الثقافة والحضارة، والحدود السياسية يُعاد رسمها لكي تتوافق مع الحدود الثقافية والعرقية والدينية والحضارية، المجتمعات الثقافية تحل محل تكتلات الحرب الباردة، وخطوط التقسيم بين الحضارات تصبح هي خطوط الصراع الرئيسية في السياسة العالمية.

إن إرادة البحث عن هوية والعودة إلى فيافيها، رغبة أفرزتها متغيرات العصر، ويلاحظ (هنتنجتون) أكثر من ذلك، فلقد شهدت مرحلة التسعينات انفجار (أزمة هوية كونية) ، فأينما تنظر تجد الناس يتساءلون: (من نحن) ؟، (لمن ننتمي) ؟، (من هو الآخر) ؟ وهي أسئلة مركزية، ليس فقط للشعوب التي تحاول أن تصوغ دولاً قوية جديدة، كما في يوغسلافيا السابقة، إنما على المستوى العام، هذه الأسئلة أثارت لدى الباحث أسئلة أخرى، الإجابة عنها تقتضي النظر إلى الوقائع في كليتها وشموليتها، فلماذا تُسهل العوامل الثقافية المشتركة من عملية التعاون والتلاحم بين الناس؟، هذا السؤال الذي يطره هنتنجتون يريد به التوصل إلى تفسير لأسباب تركز العلاقات بين البشر على أساس مبدأ أو مرجعية، ولغرض الإجابة عن هذا السؤال يرى:

1 ـ يوجد لدى كل الأفراد هويات متعددة، قد تتنافس مع بعضها، وقد تقوي من بعضها البعض، القرابة، المهنة، المؤسسة، الإقليم، التعليم، الحزب، الأيديولوجيا .. الخ.

2 ـ البروز المتزايد للهوية الثقافية على (المستويات الدنيا) قد يقوى بروزها على (المستويات العليا) .

3 ـ الصراعات بين الجماعات الثقافية تتزايد أهميتها والحضارات هي الكيانات الثقافية الأوسع.

4 ـ البروز المتزايد (للهوية الثقافية) دفع القدرات الرائدة وقوة المجتمعات غير الغربية إلى إعادة تنشيط الهويات والثقافات الأصلية.

5 ـ أدى التحسن الذي حدث في مجالات الانتقال والاتصال إلى تفاعلات وعلاقات أكثر تكراراً واتساعاً وتناسقاً وشمولاً بين شعوب من حضارات مختلفة، ولذلك أصبحت هوياتهم الحضارية أكثر بروزاً.

6 ـ إن مصادر الصراع بين الدول والجماعات التي تنتمي إلى حضارات مختلفة كانت دائماً تولد صراعاً بين الجماعات كالسيطرة على الناس، الأرض الثروة، القوة، النسبية، أي القدرة على فرض القيم والثقافة والمؤسسات الخاصة على جماعة أخرى.

7 ـ الهوية على المستوى الشخصي، القَبَلي، العرقي، الحضاري، يمكن أن تعرف فقط في علاقتها بـ (( الآخر ) )شخصاً آخر، قبيلة أخرى، جنساً آخر، حضارة أخرى.

8 ـ كلية وجود الصراع، فالكره شيء إنساني، ولتعريف النفس ودفعها يحتاج الناس إلى أعداء، منافسين في العمل، خصوماً في الإنجاز وفي السياسة، ومن الطبيعي أن لا يثق الناس في المختلفين عنهم ومَن لديهم القدرة على إلحاق الضرر بهم، بل يرونهم خطراً عليهم، حل صراع ما أو اختفاء عدو ما، يولد قوى شخصية واجتماعية وسياسية تؤدي إلى نشوء صراعات جديدة أو أعداء جُدد، نزعة الـ (( نحن ) )والـ (( هم ) )عامة تقريباً في السياسة، والـ (( هم ) )في العالم المعاصر، وعلى نحو متزايد هم أُناس ينتمون إلى حضارة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت