وإذا لم نقطع بقدسية فهم معين لها ، ولم نحترم فقها واحدا لها ، فهذا يعني أن نصحح مذاهب الفلاسفة والقرامطة والباطنية والنصيرية والحلولية مع مذهب أهل السنة والجماعة ، ونراها كلها مجالات صحيحة لتفسير الإسلام !
ويكفي هذا اللازم توضيحا لفساد هذا القول ، وفظاعته وشناعته ، وربما لا يقصد قائله هذه الغاية القبيحة ، وإنما أراد بها التلصص والتدرع لا غير .. !
وهذا القول في غايته عزل للدين عن أي تأثير في شؤون الحياة إذ أي نص يصدمون به سيتعللون بأنه ما فهمه العلماء منه ليس هو المقدس ، بل له فهم أخر .. !
القناع الثالث: تقديم المصلحة على النص .
وربما يتمسح ( المتقنع ) ببعض النصوص الدالة على اعتبار المصلحة وبيان أثرها في الأحكام الشرعية ، وكأن الخلاف مع أهل الأقنعة هو في كون المصلحة معتبرة شرعا أو غير معتبرة !
وهذا مما لاشك فيه ..
بل وحتى تقديم مصلحة ما على فهم نراه لبعض النصوص ، في بعض النوازل والمواقف ، فهذا قد يكون مما يسوغ فيه الخلاف نظرا لتفاوت الناس في فهم النص ، وتفاوتهم أيضا في تقدير حجم هذه المصلحة .
لكن الذي لا يمكن أن يقع فيه الخلاف أبدا هو ما يتستر به المتقنع من جعل المصلحة مقدمة على النص مطلقا ، بلا قيود شرعية ، ولا ضوابط فقهية ، وتعطيل الحكم الشرعي عند ا ي مصلحة يراها ، وجعل هذا منهجا عاما مطردا ، فان هذا في حقيقته عزل للدين عن أي تأثير مع وجود أية مصلحة ولو متوهمة .. !
القناع الرابع: قولهم: الشريعة مقدسة معظمة ، لا يجوز المساس بقدسيتها ، ولا التعدي على مكانتها ، أو تدنيس طهارتها ، وشؤون الحياة لا تخلو من الهوى والشهوة والحيل ، التي لا يرضاها العاقل ، وإدخال الدين في هذا تعريض له للتدنيس والتلويث !
والمتقنع هذا لم يزد شيئا سوى أن أعطانا المنهج العلماني بأسلوب أكثر تهذيبا فقط !
بل الواقع أن فعلهم هذا هو الذي فيه التدنيس والتلويت والاهانة .
والا .. فلم لا نحكم بالنص الشرعي في شؤون الحياة ، ونطهر به الحياة ، ولا نعطله ، فنهينه وندنسه .. !
القناع الخامس: أن الشريعة الإسلامية لم توجد نظاما سياسيا ، أو اقتصاديا محددا ، وإنما المجال مفتوح للمسلمين لأخذ أفضل الأنظمة ، وأصح الطرق والمناهج ، لصياغة شؤون حياتهم ومجتمعاتهم ، ولهذا المتقنع نقول: أن لم تضع الشريعة نظاما فقد وضعت أحكاما ، فأين ذهبت عنها أيها المتقنع !
فليس عدم وضع نظام محدد يعني عدم وجود أية ضوابط أو أحكام يجب تطبيقها مع أية نظام يتم تشكيله !!
هذه هي العلمانية ، وهذه هي بعض أقنعتها ، ولا يمكن إحصاء جميع هذه الأقنعة ، إذ للقوم في كل واد قناع وقناع ، غايتها عزل الدين عن الحياة وإخراجه عن أي تأثير في شؤون الحياة ، ووسيلتها: تمر عبر التستر تحت هذه الأقنعة والاتقاء بها .
فأينما رأيتم ـــ يا عباد الله ـــ هذه الأقنعة فمزقوها ، وشاهدوا وجهه الحقيقي مباشرة ، وأينما رأيتم من يمرر فكرته متقنعا بكون الشريعة قد وسعت وأباحت فشدوهم من آذانهم واسألوهم عن الأحكام الشرعية المتعلقة بشؤون الحياة والمجتمع والاقتصاد والسياسة ، ما قولهم فيها:-
وانزعوا أقنعتهم ، وادعوهم ليجيبوا
وكتب المارقال
في 7 / 10 / 1424 هـ