فهرس الكتاب

الصفحة 3955 من 27364

فمثلاً نجد هنا أحكامًا لتكريس ما يُسمّى بالسوق العالمية التي تُزال منها الحدود الجمركية فيما بين الأسواق والدول، وتترك حرية التجارة على غاربها، وتطلق حركة رؤوس الأموال والاستثمارات لتعبر كل الحدود وتخرج منها بلا قيود، بل وتمتع رأس المال الأجنبي بكل الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها رأس المال الوطني.

وتجد أيضًا رفضًا لكل أنواع الحمايات التي تقدمها الدول لسلع معينة أو إنتاج معين، ورفض لأي دعم يقدم للصناعة والزراعة المحلية، أي إطلاق منافسة حرة تقوم على أساس قوة رأس المال الخاص، ونوعية المنتجات، والمقدرة على التسويق، الأمر الذي يعني أن كل تدخل من قبل الدولة في مصلحة رأسمالها الوطني الخاص أو صناعتها أو موادها الخام عمل مرفوض وغير شرعي.

هذا وتقضي أحكام معاهدة منظمة التجارة العالمية ومعاهدة الملكية الفكرية ومعاهدة الملكية الصناعية ـ أن تكون نصوصها مهيمنة على كل قانون محلي، فعندما تنضم إلى معاهدة منظمة التجارة العالمية تصبح ملزمًا بإخضاع قوانينك المحلية، وبلا مناقشة لأحكام المعاهدات المذكورة، وهذا يعني تدخلا سافرًا في الشؤون الداخلية، وإضعافًا لدور الدولة وانتهاكًا لسيادتها، كما يعني ضربة قاصمة لركن أساسي من أركان الديمقراطية التي قامت عليها الرأسمالية الغربية، فعندما لا يكون بمقدور البرلمانات سن القوانين المتعلقة بالتجارة والجمارك وانتقال رؤوس الأموال، أو مناقشة تلك المعاهدات وتقديم الاعتراضات وإحداث التغييرات، ولا يبقى لها غير الموافقة على المعاهدات المذكورة بالكامل أو رفضها بالكامل، فماذا يتبقى من السيادة؟.

ثم إذا كان الرفض يعني التهميش والحصار والتعرض لكل ألوان الضغوط التي سيمارسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، ناهيك عن الضغط الأمريكي المباشر فسيبقى الخيار الوحيد أمام البرلمان هو إقرار تلك المعاهدات بلا إدخال أي تعديل، ومن ثم حتى بلا قراءة للنص الذي يوافقون عليه، فماذا يبقي للديمقراطية؟ وإذا كان هذا الأمر مستباحا اقتصاديًا، فما معنى أن يطبق الأمر نفسه على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالعائلة والمرأة والطفولة والبيئة والقيم… إلخ.

على أن تطبيق هذه الأحكام التي تبدو من حيث الظاهر حيادية، بمعنى أنها تنطبق على الجميع إلا أنها في الواقع العملي تطبق بمنهج ازدواجية المعايير المحكومة بموازين القوى، فالولايات المتحدة مثلاً تستطيع أن تخرق مبدأ فتح الأسواق أمام التجارة الحرة تحت مختلف الذرائع التي تختارها، سواء أكان ذلك من خلال المقاطعة أو سن القوانين مثل القانون الذي يحرم"إغراق السوق بسلع رخيصة"، أو مثل قانون منع الاحتكار، ولكن الدول الأخرى لا تستطيع سن قوانين مماثلة أو موازية؛ لأنها ستتعرض للضغوط فورًا.

هذا جانب من جوانب الإشكاليات في التطبيق، أما الجانب الآخر الذي لا يقل أهمية فهو عدم التكافؤ الهائل الذي ستبدأ منه المنافسة عندما يصبح العالم سوقًا حرة واحدة. فالعولمة بهذا المعنى جاءت لتفرض قوانين مثل رفع الحمايات بعد أن وصل الإنتاج الأمريكي بالخصوص، وكذلك التكنولوجيا إلى مستوى لم تعد الولايات المتحدة معه بحاجة إلى حماية من أجل نموها وتطورها، بينما لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد ثلاثمائة عام من الحماية المشددة، فالولايات المتحدة من أشهر النماذج التي بنت تطورها وصناعتها على الأنظمة حماية صارمة كأنظمة الدعم من قبل الدولة للزراعة والإنتاج الحيواني، والتي ليس لها من مثيل، وهي ما زالت تمارس ذلك كلما، وحينما، وجدته ضروريًا، وتحت شتى المسميات، فنحن هنا أمام"بلطجة"على المكشوف.

في كلمة، البداية في إطلاق المنافسة الحرة غير المتكافئة من حيث القدرات المالية والإنتاجية والتكنولوجية والعلمية، وغير متكافئة حين يسلب القوي الضعيف من كل إمكانات المقاومة، وحين يحرمه من الحد الأدنى من الحماية أو الدعم لصناعته وزراعته.

وثمة جانب لا يقل أهمية وهو إمكانات التوزيع والتسويق والاحتكار، فقد يكون لديك إمكان أن تغزو الدول المتقدمة بالبرتقال أو بالطماطم، ولكن ليس لديك إمكانات التوزيع في بلدانها خصوصًا إذا تدخل القرار السياسي في إغلاق الأبواب في وجهك، وهو قرار موجود دائمًا، فنظريًا يمكن أن تدخل إلى السوق المعنية بسلعتك الأفضل والأرخص، ولكن عمليًا لا يمكن أن تجد الموزع عندما تكون هنالك تدخلات من هذا النوع أو ذاك.

ولنقف قليلا لنقرأ في معاهدة باريس أو معاهدة تريبس، والمعاهدة التي نجمت عنها المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية حول حقوق الملكية"الفكرية"، خصوصًا فيما يتعلق بالملكية الصناعية وملكية الاختراع أو التكنولوجيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت