فهرس الكتاب

الصفحة 3956 من 27364

من خلال الفحص الدقيق لهذه المعاهدة سنجد أن هذه الحقوق ستخلق قيودًا هائلة أمام الوصول إلى التكنولوجيا والعلوم والاكتشافات بالنسبة إلى بلدان العالم الثالث، فما دام كل اختراع وكل تصميم ينجم عن ذلك الاختراع من أجل إنزاله إلى الصناعة أو إلى ميدان المعلوماتية سيسجل حكرًا لصاحبه، وسيصاحبه في الأغلب هنا شركات متعدية الحدود والجنسية، فأنت لا تستطيع أن تفيد منه إلا من خلال المرور بصاحب ملكية الانتفاع به، وهذا يقوم بدوره بفرض شروطه.

وأحسب أن الجميع لحظ ما حدث مثلا في مجال صناعة الأدوية من فضائح في هذا المجال، وآخرها احتكار إنتاج الأدوية المضادة للإيدز، وهو ما راح يتسبب بموت مئات الآلاف من الأطفال على الخصوص، وهذا ما أثار الاحتجاج من قبل الجامعات ومراكز البحوث ومؤسسات الخدمات، وقد وصل الأمر إلى أن تمتلك برامج المعلومات المتعلقة بالطقس كملكية فكرية، وهي البرامج التي قد تعرض الملاحة أو مناطق بأسرها إلى أخطار التقلبات الجوية، وهو ما أطلق صراعًا عنيفًا حول الحق بملكيتها لمن لم يفعل أكثر من تجميعها وتصنيفها. وقد تم التساهل جزئيًا في حالة انتقال المعلومات لأغراض الدراسة في الجامعات أو البحث العلمي فقط.

والخلاصة أننا هنا أمام احتكار خطير للتكنولوجيا وإنتاجها واستخدامها سيجعل الوصول إليها أصعب من ذي قبل عكس ما يروج له بعض الواهمين حول سهولة الوصول إلى المعلومات، أو ما يُسمّى بالثورة المعلوماتية، وهم لا يتحدثون إلا عما لا يصل إلى التكنولوجيا وإمكان الاقتناع بها، بمعنى إمكان التطور التكنولوجي والصناعي، وليس بمعنى ما يقدم من معلومات عامة أو استهلاكية.

لو بحثنا في الدوافع الفعلية، وفي النتائج الفعلية، لهذه السمات في المجال الاقتصادي للعولمة سنقول بأننا أمام مرحلة جديدة للسيطرة الإمبريالية على مقدرات العالم مما يزيد غنى البلدان الغنية ويزيد فقر البلدان الفقيرة. وعلى صعيد آخر، هناك ثروة تشكلت في البلدان متوسطة النمو وضعيفة النمو خلال الخمسين السنة الماضية يمكن للشركات متعدية الجنسية أن تأخذ ثمارها خلال العشرين السنة القادمة، وهي خبرة العقول، أي أننا أمام موجة جديدة من نهب الثروات العالمية في مصلحة قبضة صغيرة من الشركات والدول، وعلى التحديد في مصلحة الدول الأمريكية والشركات الأمريكية متعدية الجنسية أساسًا.

ولكن الأمر هنا لا يقتصر على بلدان العالم الثالث أو تلك التي يمكن اعتبارها بين العالم الثالث والثاني، مثل البرازيل أو النمور الآسيوية وروسيا والصين والهند، وإنما تتجه المرحلة الجديدة من الرأسمالية من خلال الشركات متعدية الجنسية ومتعدية الحدود، تحت القيادة الأمريكية إلى انتهاب ما تشكل من دسم أو شحم داخل المجتمعات الرأسمالية نفسها، فدولة الرفاهية في الغرب واليابان والتي حققت لمجتمعاتها وللطبقات العاملة والفقيرة مكاسب جمة خلال مرحلة الحرب الباردة أصبحت الآن معرضة للهجوم نفسه من قبل الشركات متعدية الجنسية في بلدها وعلى مستوى الدول الغنية ككل.

فضغوط العولمة الآن تتجه إلى الانقضاض على الضمانات الصحية والاجتماعية والتعليمية، وتلك المتعلقة بالبطالة التي كانت توفرها دولة الرفاهية في الغرب لشعوبها مما سيزيد من الأرباح الهائلة للشركات متعدية الجنسية. فأسلوب المطالبة والضغط للإعفاء من الضريبة التصاعدية على الاستثمارات تحت التهديد بالهجرة، حيث لا ضرائب على الاستثمارات والمضاربات المالية سيزيد من إفقار دولة الرفاهية ودفعها إلى تعويض ذلك بأشكال أخرى من الضرائب، أو سيقود إلى إلغاء أو إنقاص الالتزامات المتعلقة بالصحة والتعليم والتقاعد والعجز والبطالة.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فقد برز اتجاه التخفيض من تكاليف الإنتاج والخدمات كمدخل أساسي الآن لزيادة الأرباح، وهو ما يعني ارتفاع منسوب البطالة حتى على مستوى النخب والكوادر. فمن أهم دوافع الاندماجات الكبرى التي نسمع عنها بالإضافة إلى امتلاك قدرة أكبر على المنافسة والاحتكار هو تخفيض التكاليف الأساسية وتحويلها إلى أرباح إضافية. فعندما تندمج شركتا طيران تغلق المكاتب الفائضة مثلاً وهكذا.

هذا يفسر القلق الذي راح يجتاح مجتمعات الدول الغنية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وهو ما عبّر به عن نفسه من تظاهرات واحتجاجات في شوارع سياتل وواشنطن ولندن التي شهدت اجتماعات الدورات الجديدة لاتفاقية منظمة التجارة العالمية، وغضب المزارعين والعمال في فرنسا وألمانيا وهولندا وإيطاليا، ولم يخطئ من شبّه ما حدث في سياتل وواشنطن بثورة الطلبة في باريس عام 1968 أو حركات الاحتجاج ضد الحرب الفيتنامية مع الفارق طبعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت