لقد برزت في تلك الانتفاضات شعارات، مثل"تجارة عادلة بدلا من تجار حرة"، ومطالبة بإلغاء ديون بلدان العالم الثالث وفرض ضريبة على المضاربات المالية في البورصة، وإدانة لوحشية الرأسمالية إزاء العالم الثالث في مرحلة العولمة، وهجوم مباشر على منظمة التجارة العالمية والبنك وصندوق النقد الدوليين: هذا الثالوت المدمر للشعوب الفقيرة، والذي يدمر حتى المجتمعات الغنية بل الإنسان والبيئة كذلك. ومن ثم يجب ألا تقرأ تلك التظاهرات بأنها تعاطف مع العالم الفقير فقط، وإنما أيضًا باعتبارها التعبير عن القلق الذي ينتاب مجتمعات الشركات متعدية الحدود من مخاطر العولمة وما تحمله في حقبتها من ويلات للعالم بأسره.
تبقى نقطة أخرى في هذا المجال تتمثل بالخراب الذي قد يقع على بعض البلدان الرأسمالية المتطورة نتيجة التنافس الذي تقترحه العولمة. فالسوق الحرة لا تدمر الضعاف فقط، بل قد تدمر عددًا من الأقوياء في صراع القوة ضمن قانون الغاب المقترح في معاهدة منظمة التجارة العالمية؛ ليتحقق من خلال العولمة ما كان يحتاج إلى حرب عالمية استعمارية ثالثة لتحقيقه، والذي كانت الحربان الاستعماريتان العالميتان الأولى والثانية تستهدفان مثله من قبيل إعادة اقتسام مناطق النفوذ والأسواق.
إلى هنا نكون قد تناولنا سمات العولمة في المجال الأكثر شهرة عند الحديث عنها، وهو المتعلق بالنظام العالمي الاقتصادي، والذي سينجم عنه المزيد من الخراب لاقتصاديات بلدان العالم الثالث، والمزيد من تخلفها في ميادين العلوم والتكنولوجيا، والمزيد من نهب ما تراكم من ثروات داخلها، وهو المصير الذي لن تجد بعض الدول المتقدمة نفسها فكاكًا منه، الأمر الذي سيفاقم ظواهر الفقر والبطالة والمرض والجريمة واللجوء إلى العنف الداخلي حتى داخل البلدان التي تتبناها، ناهيك عما أخذ يلوح في الأفق من حروب أهلية أو حروب بين دول مجاورة، وإثارة الانقسامات الداخلية على اختلافها.
العولمة وثقافة تحميها وتدشنها
كوكا كولا قهرت كل رموز الثقافة حتى ماء زمزم
المجال الذي كُتب عنه الكثير يتمثل بما تحمله العولمة من ثقافة تهدد ثقافات الشعوب الأخرى، وقد قيل:"من ضاعت ثقافته ضاعت هويته، أو ضاع استقلاله".
ما من نظام اقتصادي إلا ويجب أن يحمل ثقافة تدعمه وتعزِّزه، فهو لا يستطيع أن يعتمد على بندقية الشرطي الذي يحرسه فقط، ولا على النظام السياسي الذي يحميه فقط، وإنما يجب أن تعزَّز قيمه ومبادِئُه، وتصبح ذات شيوع وسطوة وقبول عام، وهنا تأتي الثقافة لتلعب دورها إلى جانب الشرطي والسياسي في تكريس النظام الاقتصادي المعني، وقد راحت تزداد أهمية التكنوقراط والمثقفين عديمي الضمير للترويج للبضاعة الفكرية، والثقافية، والسياسية للعولمة مقابل رواتب سخية أو"مساعدات"مالية هائلة لمراكز البحوث أو منظمات غير حكومية؛ ولهذا ضربت العولمة جذورها، وقد راحت تضرب تلك الجذور في أجهزة الإعلام ومراكز البحث والدراسات والمنظمات غير الحكومية، وفي الجامعات، وفي مجالات المسرح والإنتاج السينمائي، وبكل ما له صلة بالفكر أو بإعادة صياغة العقل أو النشاطات الاجتماعية.
وإذا كانت العولمة - اقتصاديًّا - امتدادًا للرأسمالية الاستعمارية العالمية ولرأسمالية الشركات متعدية الجنسية، فهي - ثقافيًّا - امتداد للثقافة التي صاحبت هذه المراحل، وإذا كانت العولمة تمثل مرحلة جديدة في الرأسمالية الإمبريالية العالمية، ويسمِّيها البعض ما بعد الإمبريالية، فإن الثقافة التي تنشرها وتنتشر معها وتُعقد لها السيادة على مستوى عالمي يجب أن تكون متناسبة مع المرحلة الجديدة؛ لتدافع عن سمات السيادة على مستوى عالمي يجب أن تكون مناسبة مع المرحلة الجديدة لتدافع عن سمات النظام العالمي الجديد الذي تحمله العولمة، بما في ذلك إيجاد المسوغات للحروب التي تشنها الولايات المتحدة، ولتؤيد انتهاك سيادة الدول والتدخل في شئونها الداخلية.