فكأن رعاية"الطفولة"لا ينبغي أن تضع في حسبانها ذلك كلّه، أو كأن ظاهرة التشريد والفقر والآلام وبيع الأطفال في البلدان النامية، لا يمكن مواجهتها بإنفاق مئات الملايين على التنمية، وفتح الأسواق الاستهلاكية الغربية، ومكافحة الفقر بصورة مباشرة، ولكن بإنفاق مئات الملايين على نشر موانع الحمل بين سكان الدول النامية- وقد وصل إلى أكثر من 600 مليون دولار خلال السنوات الخمس الماضية- جنبا إلى جنب مع تركيز حملات مكثفة، تبنتها معظم المؤتمرات الدولية العملاقة، كما تبنتها برامج"التعاون الاقتصادي"بين الشمال والجنوب؛ حتى أصبحت شروطا رئيسية في اتفاقات إلغاء الديون، وإعادة جدولتها، والاستثمارات الجديدة، والقروض الإنمائية، وغيرها..
حصيلة 150 عاما من"التحرير"
لا نحتاج للتأكيد على أنّ أوضاع المرأة في البلدان الإسلامية، وفي البلدان النامية عموما، أوضاع مرفوضة دينيا وإنسانيا وحضاريا وبمختلف المقاييس المعتبرة. ولقد تدهورت هذه الأوضاع في البلدان الإسلامية على وجه التخصيص جنبا إلى جنب مع تطوّرين تاريخيين حاسمين، أولهما البعد عن الإسلام وانتشار تصوّرات شاذّة سيطرت على كثير من العادات والتقاليد الاجتماعية وتسرّب بعضها تشددّا وتعنّتا أو تسييبا وتمييعا؛ حتى إلى مواقف الداعين للعودة إلى الإسلام من جديد، والتطور الثاني هو التخلف الحضاري بمختلف ميادينه، وبما يشمل سائر فئات المجتمع، فلم يقتصر على الذكور دون الإناث.
ولكنّ تصوير الحل الناجح على طريق النهوض، وكأنّه يكمن فيما تدعو إليه القوى الغربية والمستغربة عبر مناسبة من قبيل يوم المرأة العالمي، لهو منطق يتنافى مع الحقائق التاريخية المحضة؛ فإذا صحّ ما يقال بشأن عصر التنوير في أوروبا من أنه كان بداية الخروج من حقب الظلمات التاريخية في عصور سابقة، نحو بناء الحضارة المادية الحديثة؛ فلا يخفى على المؤرخين أنّ ذلك لم يبدأ بظاهرة"تحرير المرأة"ليقال الآن إنّ اتباع المنهج الغربي تحت هذا العنوان شرط من شروط النهضة الحضارية في البلدان الأخرى، إنّما قطعت مسيرة النهضة العلمية، فالتقنية، فالإنتاجية أشواطا بعيدة المدى، قبل أن تعرف الدول الغربية دعوات"تحرير المرأة"والتي انبثقت أولاً عن مساعي الفئة الرأسمالية المهيمنة على الثورة الصناعية لمضاعفة الضغوط على الحركة النقابية الناهضة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي؛ فبدأ آنذاك- ولأغراض مادية محضة- انتشار شعارات"حق العمل"كمدخل إلى"تحرير المرأة"..
ولقد مضى على أولى الإنجازات المتحققة لصالح المرأة في ميادين العمل والسياسة والتعليم زهاء مائة وخمسين عاما، ومع ذلك فالأمم المتحدة- التي تبنت هذا العام الدعوة إلى مشاركة النساء في البحث عن حلول للأزمات والنزاعات العالمية؛ لأنهن الأشد معاناة من نتائجها- لم تجد عبر أكثر من خمسين سنة مضت على نشأتها، ما يستدعي تخصيص صيغة من صيغ التكريم للمرأة، إلا في هذا العام بمنح جائزة الألفية لقاء"إنجازات نسائية متميزة".. كذلك فجائزة نوبل للسلام التي بدأ منحها عام 1901م، لم تجد من النساء أو من المنظمات النسائية من يستحق الجائزة تكريما أو تشجيعا إلا بمعدل 10 % أي عشر مرات خلال مائة عام.
وقد ذكرت منظمة العمل الدولية في يوم المرأة العالمي أن نسبة الأيدي العاملة النسائية في أنحاء العالم تصل إلى 40 % عالميا، ولكنها لم تبلغ أكثر من 8% في المناصب التوجيهية، ولا يوجد سوى 8 نساء في مناصب ملكية أو رئاسية أو في رئاسة الحكومات من أصل أكثر من 200 دولة، والمرأة موجودة في حدود 14% في المجالس النيابية، الديمقراطية والصورية؛ فهي نسب تشمل الدول الصناعية كما تشمل الدول النامية، بل ربما كان وجود المرأة في مناصب سياسية توجيهية في الدول النامية أكثر ظهورا للعيان، لا سيما في جنوب شرق آسيا، وكما تقول جرو هارلم رئيسة منظمة الصحة الدولية بمناسبة يوم المرأة العالمي إن تكافؤ الفرص بين الجنسين لا يتوافر في أي دولة في العالم إطلاقا.
للإباحية أيضًا ضريبتها
وفي المقابل؛ نجد حصيلة ثلاثين سنة مضت على ما بدأ بحركة"ثورة الطلبة"وانتشر باسم"الثورة الجنسية"في بلدان الغرب، كمظهر اعتبر في مقدمة مظاهر تحرير المرأة الغربية، كانت تشتمل على ارتفاع نسبة تعرّض النساء والفتيات إلى الضرب داخل البيوت، من معدّل امرأة كل سبع نساء إلى معدل امرأة كل ثلاث نساء، حتى أنّ بلدًا كألمانيا شهد في الفترة نفسها ازدياد عدد ما يُسمّى ببيوت إيواء ضحايا الضرب من النساء، إلى ثلاثين ضعفا لما كان عليه، وكان عدد من استقبلتهنّ تلك الدور في عام 2000 م فقط أكثر من 45 ألف امرأة وفتاة.