فهرس الكتاب

الصفحة 3672 من 27364

فليس على دعاة الدين الحق والرسالة الخاتمة من حرج إذن أن يطوفوا بدعوتهم في المشارق والمغارب , يوطِّئون للحق مهاداً , وينشرون له أعلاماً في إطار قاعدة (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [البقرة:256] , وتحت خيمة الربانية التي ترعى حقوق الموافقين والمخالفين , حتى يتفيأ العالم ظلال هذه الرحمة العامة , يفئ إليها من هجير الظلم ورمضاء الأثرة والجشع والأنانية , ويجد له موقعاً في سفينة الإسلام , التي تمخر به عباب هذه الفتن المتلاطمة ؛ حتى ترسو على شاطئ النجاة في الآخرة .

إن هذه العولمة - في إطارها اللاديني (العلماني) الجامع - لَتحمل في طياتها بذور فشلها وعوامل انهيارها ؛ فإنه لا دوام لظلم , ولا بقاء لعسف ولا جور , لقد حدثنا القرآن الكريم عن دول قامت , ثم زالت , وعن حضارات صالت , ثم انهارت .

قال - تعالى -: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ(6) إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ (8) وَثَمُودَ الَذِينَ جابُوا الصَّخرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ] (14 ) ) الفجر[ .

وقال - تعالى -: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً(37) وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً (38) وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً (39 ) ) ]الفرقان[ .

وقال - تعالى -: (وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ(38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلاًّ أَخذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40 ) ) ]العنكبوت [ .

وإن مواريث القوم الفكرية والفلسفية لتنذرهم بذلك , وتشهد عليهم به , فقد قال أحد حكمائهم (حين وقف على أطلال روما) :"إن أول رجل تسبَّب في خراب الإمبراطورية هو الذي بدأ يقدم لها الأسلاب والغنائم"؛ لأنه هو الذي أثار لدى أهلها غول النهب والسيطرة وحرك شياطين الأثرة والأنانية الكامنة وراء جلودهم , وقديماً قال نابليون:"إن الإمبراطوريات تموت دائماً بمرض التخمة", أي أن جوفها يعجز عن هضم ما تلتهمه من الأقاليم والشعوب ! .

موقف المسلم من العولمة:

يبقى الحديث بعد هذا عن موقف المسلم من هذه العولمة: هل هو الرفض والمقاطعة أم الاصطفاء والتخيُّر ؟ .

لا يخفى أنه لا سبيل إلى الأول لجملة من الاعتبارات والضرورات العملية منها:

1-عالمية هذه الظاهرة , وتدفقها إلى العالم عبر قنوات مفتوحة لا سبيل إلى إغلاقها , وقطع السبيل إليها , سواء أكان ذلك في وسائل الأعلام أم في حركة السياحة والاتصال المباشر بين الشعوب .

طبيعة العلاقات الدولية التي تقوم على التبادل والتداخل والتعامل المشترك , ولا يتسنى لأحد - في محيط المجتمع الدولي - أن يحبس نفسه داخل أسوار العزلة .

حاجة البلاد الإسلامية والعربية إلى كثير من الخبرات وآليات التقنية المبثوثة في هذه المجتمعات ؛ نظراً لحداثة البناء الاجتماعي والاقتصادي في كثير من هذه البلاد .

ضعف مؤسسات الوحدة والتنسيق بين البلاد الإسلامية والعربية .

وإذا كان لا يتسنى لنا أن نقطع السبيل بالكلية على هذا السيل الجارف من مظاهر العولمة وآلياتها فلم يبقَ أمامنا إلا التخير والاصطفاء , بأن العلم ما الذي نأخذه منها , وما الذي نجتنبه , فما كان فيها من أمر صالح أخذناه ولا حرج , وما كان منها من فاسد تحاشيناه واجتهدنا في التصدي له .

إن من إيجابيات هذه العولمة - على سبيل المثال - سهولة الاتصال بين الدول والأفراد على المحيط الدولي , وتوافر التقنيات المتطورة التي تذلل هذا التواصل , وتهيئ أسبابه , فلماذا لا يستفيد المسلمون من ذلك كله ؟ , بإنشاء جامعات مفتوحة يستفيض من خلالها البلاغ بعلوم الدين وتعم من خلالها المعرفة بعلوم الدنيا , فتقضي على الأمية والجهالة وتدرج الأمة من خلالها على معارج الغلبة والتمكين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت