وإن من إيجابياتها كذلك ما تتيحه من ثروة كبرى في عالم المعلومات تتدفق عبر العالم في سلاسة ويسر , لا تحدها حدود ولا تحجزها حواجز إقليمية أو سياسية أو عسكرية , ومن هذه المعلومات ما هو نافع وبنَّاء في مختلف المجالات , فلماذا لا تُستثمر هذه المعرفة المبذولة بالمجان في تطوير قدراتنا حاضراً ومستقبلاً , وفي توجيه ناشئتنا إلى الإفادة من هذا كله ؛ ليكونوا أقدر على العطاء والمواجهة .
هذا وإن الآكد من هذا كله أن نبعث في هذه الأمة روح المواجهة لهذه الأعاصير , وأن نستثير مذخور طاقاتها الإيمانية والجهادية , وأن نرشد توجيه هذه الطاقات على طريق المحافظة على الهوية , واستئناف ما توقف من مسيرتها الحضارية .
كثيرة هذه المقومات التي تملكها الأمة وتتمكن بها - بعد توفيق الله (جل وعلا) وتأييده - من الثبات في مواجهة أعاصير هذه الفتن , بل ومن قهر هذه الأعاصير وتجاوزها إلى مرفأ الأمن والسلامة .
ولا يتسع المقام لاستقراء كل هذه المقومات , ولكننا نخص بالذكر آكدها وأثمنها وأغلاها في هذا المقام , وهو ما تموج به هذه الأيام من صحوة إسلامية مباركة , توشك أن تعم بلاد العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه .
ذلك أن ترشيد هذه الصحوة وإزالة التناقضات الداخلية التي تغشى صفوفها في بعض المواقع وحشد فصائلها جميعاً في خندق التصدي لهذه الأعاصير - لَيمثل خط الدفاع الأول في هذه المواجهة المحتومة الشرسة .
وإن خصومنا ليدركون هذه الحقيقة بجلاء , ومن هنا كان مكر الليل والنهار لإجهاض هذه الصحوة وإفشال أعمالها , لا من خلال سحقها وتجفيف منابعها بالكلية , فقد يئسوا من ذلك , ولكن من خلال المراهنة على تشرذم فصائلها , وتفشِّي الفتن بين صفوفها وإغراء العداوة والبغضاء بينها وبين القيادة السياسية في بلادها , فترتد سهامها إلى الداخل , وتُجهض طاقاتها في مناوشات داخلية , لا يفيد منها في نهاية المطاف إلا هؤلاء الخصوم .
إلى متى يُدفع بشبابنا إلى المحرقة ؟!:
إلى متى يُدفع بشبابنا إلى المحرقة ؟! , سؤال طرحه أحد أئمة أهل العلم في هذا الزمان , وهو مثل زفرة من زفرات الألم المكتوم , التي تجيش بها صدور كثير من المشفقين على هذه الأمة , ممن يحزنهم استضعافها في المحيط الدولي , وهوانها - على أعدائها - في الخارج , وتشرذم صفوفها واحتراقها في أتون الفتن والتهارج في الداخل .
ولعل مثل هذا التساؤل هو الذي دفع بكثير من هؤلاء ممن يرصدون هذه الظاهرة - إلى التأكيد على ضرورة إحياء فقه المراجعات , والتأمل الدقيق في مفردات المشروع الفكري الذي حمله التيار الإسلامي طوال الحقبة الماضية , بدءًا من المسائل العلمية , وانتهاءًا بوسائل العمل وآليات التغيير في مختلف المحاور .
ولعل على رأس هذه الإشكاليات التي تمس الحاجة إلى استنفار العقول والأقلام لتدبرها واقتراح ما يلزم لها من الحلول والمعالجات:
إشكالية التعامل مع القيادات السياسية , وإشكالية التعامل مع الآخرين , سواء أكانوا داخل الصف الإسلامي من ذوي الاجتهادات المخالفة , أم كانوا خارجه من أصحاب المشروعات القومية أو الوطنية .
أولاً: إشكالية التعامل مع القيادات السياسية:
لقد ورثت الأمة منذ عصور الاستخراب (الاستعمار) محنة ثقيلة , تمثلت في تعطيل الشريعة وتكريس الفصل بين الدين والدولة في كثير من المواقع , ورحل الاستخراب عن البلاد , ولكن بقيت هذه التركة بصمة له , وأثراً من آثاره البغيضة في معظم المواقع , التي دنستها أقدامه , ووطئت فوقها سنابك خيوله .
ثم كان انبعاث الصحوة الإسلامية وتفجر ينابيعها الثرية في مختلف أرجاء الأمة , رافعة لواء الدعوة إلى تحكيم الشريعة , مؤكدة ضرورة التخلص من الاستخراب التشريعي , والعودة إلى التحاكم في الدماء والأموال والأعراض إلى ما أنزل الله .
ورأت بعض القيادات السياسية في هذه الدعوة تحرُّشاً بها وتأليباً على عداوتها وعدواناً على سيادتها وزلزلة لقواعد مشروعيتها , وفي المقابل لم يخلُ أداء الإسلاميين - في بعض المواقع - من بعض المواقف المستفزة أقوالاً وأفعالاً , فاشتعل فتيل المواجهة بين الفريقين , وواتت الفرصة فريقاً من الشانئين , ممن يخاصمون الإسلام معتقداً وتشريعاً , فاستثمروا هذا الصراع وعمقوا جذوره ووسعوا دوائره , وتقاسموا على إبادة هذه الصحوة إلى آخر جندي تملكه القيادة السياسية ! , ووقع كثير من القيادات السياسية في شراك الابتزاز الذي نصبه لها هؤلاء , فزادت الفتن سعيراً واشتد الصراع وتطاول ليله , وتمخض عنه من الويلات والفجائع ما تمخض , وكلما دعا فريق من الحكماء (في هذا الجانب أو ذاك) إلى مصالحة تُحقن بها الدماء , ويرتفع بها هذا البلاء - سلقه الشانئون بألسنة حِدَاد , أشحَّة على الخير ؛ حتى لا يهدأ أُوار , ولا يقر للأمة قرار ! .