ولعل من اللافت للنظر بين واقع العمل الإسلامي في المجتمعات الغربية ومثيله في بلاد المشرق هذه المفارقة المذهلة بين الهدوء والاسترخاء اللذين يسودان علاقة العمل الإسلامي بالقيادات السياسية في الغرب , والتحفز والاستفزاز اللذين يسودان هذه العلاقة في بلاد المسلمين , وقد كان المتوقع هو العكس .
ولا يخفى أن من التسطيح الفاحش للأمور أن تفسَّر ظاهرة شديدة التعقيد , تختلط فيها أبعاد كثيرة ببعد واحد من هذه الأبعاد , ولكن الذي أود التركيز عليه , وأود لفت الانتباه إليه في هذه الأبعاد - هو هذا الانضباط المتبادل بالأنظمة السارية من كلا الفريقين في المجتمعات الغربية , وهذا الانتهاك المتبادل في مجتمعات المسلمين , وهي ظاهرة جديرة بالتسجيل والتأمل , وربما امتهد من ذلك سبيل لحسن التعامل مع هذه الإشكالية وحل مغاليقها .
لقد التقى الفريقان في الغرب على أن هناك دولة قائمة - ظالمة كانت أو عادلة - وأن لهذه الدولة نظماً سارية لا سبيل إلى تغييرها إلا من خلال آليات التغيير المعتمدة في هذه المجتمعات , وأنه لا بد من الوقوف عند هذه الحدود التي تمثل إشارات ضوئية , تضبط السير وتحدد العلاقة بين الفريقين:
فالعمل الإسلامي يرى أنه يعيش في إطار دولة يجب عليه أن يتقيد بنظمها , وإن مثَّلت نوعاً من أنواع الجور على حقوقه في بعض الجوانب , أو تناقضت مع بعض قواعد المشروعية التي يعتقدها , ويَدين بها في جوانب أخرى , وهو يبذل هذا الانضباط عن طواعية واختيار , والدولة ترى في نظمها حدوداً ملزِمة , لا يجوز أن تنتهكها ؛ لتبطش بمواطنيها بغير حق , فتكفل الحماية والمنعة وتبذل الحقوق والرعاية لكل مَن يقيمون على أرضها ماداموا وقَّافين عند هذه الحدود التي فصَّلتها الأنظمة والشرائع السارية .
وهكذا أصبح الانضباط المتبادل سُنة التعامل بين الفريقين في هذه المجتمعات , ولكن الأمر على النقيض من ذلك في بلاد المسلمين , حيث مسلسل الانتهاكات الصارخة التي تتجاوز المعقول واللامعقول , وتدخل بالعلاقة - بين الطرفين - في سراديب ملتوية كثيرة التعاريج .
ولهذا فإن من آكد محاور الترشيد - التي نسجلها في هذا المقام - أن يدرك التيار الإسلامي بفصائله المختلفة أنه يعمل في إطار دول قائمة , وتحت مظلة أنظمة سارية , وأن عليه أن يرتب برامجه في ضوء هذه الحقيقة , وأن يستنفد المتاح قبل أن يتطلع إلى غيره , وأن يدرك أن تشوُّفه لغير المتاح قد يُفقده المتاح وغير المتاح ! .
لقد درج كثير من العاملين للإسلام - خلال الحقبة الماضية - على أن ينطلقوا في أعمالهم الدعوية والتربوية والاحتسابية من خلال الشرعية التي يعتقدونها , والمرجعية التي يَدينون بها , سواء التقت مع المرجعية السائدة في مجتمعاتهم أم تعارضت , وقد ترتب على ذلك ما ترتب عليه من صراعات ومواجهات أسيفة دامية .
ولا يخفى أن هذا الالتزام الذي ندعو إلى التقيد به - من جانب حَمَلَة الشريعة - لا يعني بالضرورة توقُّف مسلسل المواجهات والانتهاكات من الطرف الآخر على الفور , ولكنه بالقطع سوف يُضعف حدتها , ويكسر سَوْرتها , وينقل ما تبقَّى منها إلى إطار جديد , تتمايز فيه المواقف بجلاء , وتنقطع معه شبهات المتأولين والمرتابين ! .
وإن هذه النظرة لتمثل منعطفاً كبيراً في مسيرة العمل الإسلامي , تزداد بها نضجاً وتوفيقاً , وتضيق به شُقة الصراعات بين الفريقين , في الوقت الذي لا تمثل فيه تراجعاً عن التزام واجب , أو تفريطاً في مُحكَم لا يتسنى التفريط في مثله ؛ إذ القدرة هي الشرط العام في جميع التكاليف .
والنظر في مآلات الأقوال والأفعال مقصود معتبر شرعاً , وقاعدة تحقيق خير الخيرين ودفع شر الشرين مما ينتظم به عقد هذا التوجه , ويتسق بها مضمونه كله , وسوف ينعكس هذا التوجه على مواقف كثيرة واجتهادات عديدة , ويرسم مساراً جديداً للعملية الدعوية برمتها , وتمس الحاجة معه إلى مزيد من الدراسات التفصيلية , التي تنقله من حيز التنظير والتجريد إلى حيز التطبيق والتنفيذ , ولا يخفى أن لكل محلة خصوصياتها في هذا المجال , وأن هذا الأمر مما تختلف فيه الفتوى باختلاف الزمان والمكان والأحوال والعوائد .
إن سياسة إطفاء الحرائق ونزع فتيل الاشتعال في علاقات العاملين للإسلام والقيادات السياسية من حولهم وتطويق المواجهات على أرض الإسلام - ينبغي أن تكون هماً يقضُّ مضاجع الغيورين , ويؤرق ليلهم , فلا أقر لعيون الخصوم من تفاقم هذه الصراعات , وتنامي هذه المواجهات , التي تحترق بها الأمة , وتبدد بها طاقاتها داخلياً , دون أن يسكب الخصوم في هذا الإفناء والمحو قطرة دم واحدة ! .
ثانياً: إشكالية العلاقة مع الآخرين: 1- العلاقة مع الآخرين داخل الإطار الإسلامي: