فهرس الكتاب

الصفحة 3674 من 27364

ولعل من اللافت للنظر بين واقع العمل الإسلامي في المجتمعات الغربية ومثيله في بلاد المشرق هذه المفارقة المذهلة بين الهدوء والاسترخاء اللذين يسودان علاقة العمل الإسلامي بالقيادات السياسية في الغرب , والتحفز والاستفزاز اللذين يسودان هذه العلاقة في بلاد المسلمين , وقد كان المتوقع هو العكس .

ولا يخفى أن من التسطيح الفاحش للأمور أن تفسَّر ظاهرة شديدة التعقيد , تختلط فيها أبعاد كثيرة ببعد واحد من هذه الأبعاد , ولكن الذي أود التركيز عليه , وأود لفت الانتباه إليه في هذه الأبعاد - هو هذا الانضباط المتبادل بالأنظمة السارية من كلا الفريقين في المجتمعات الغربية , وهذا الانتهاك المتبادل في مجتمعات المسلمين , وهي ظاهرة جديرة بالتسجيل والتأمل , وربما امتهد من ذلك سبيل لحسن التعامل مع هذه الإشكالية وحل مغاليقها .

لقد التقى الفريقان في الغرب على أن هناك دولة قائمة - ظالمة كانت أو عادلة - وأن لهذه الدولة نظماً سارية لا سبيل إلى تغييرها إلا من خلال آليات التغيير المعتمدة في هذه المجتمعات , وأنه لا بد من الوقوف عند هذه الحدود التي تمثل إشارات ضوئية , تضبط السير وتحدد العلاقة بين الفريقين:

فالعمل الإسلامي يرى أنه يعيش في إطار دولة يجب عليه أن يتقيد بنظمها , وإن مثَّلت نوعاً من أنواع الجور على حقوقه في بعض الجوانب , أو تناقضت مع بعض قواعد المشروعية التي يعتقدها , ويَدين بها في جوانب أخرى , وهو يبذل هذا الانضباط عن طواعية واختيار , والدولة ترى في نظمها حدوداً ملزِمة , لا يجوز أن تنتهكها ؛ لتبطش بمواطنيها بغير حق , فتكفل الحماية والمنعة وتبذل الحقوق والرعاية لكل مَن يقيمون على أرضها ماداموا وقَّافين عند هذه الحدود التي فصَّلتها الأنظمة والشرائع السارية .

وهكذا أصبح الانضباط المتبادل سُنة التعامل بين الفريقين في هذه المجتمعات , ولكن الأمر على النقيض من ذلك في بلاد المسلمين , حيث مسلسل الانتهاكات الصارخة التي تتجاوز المعقول واللامعقول , وتدخل بالعلاقة - بين الطرفين - في سراديب ملتوية كثيرة التعاريج .

ولهذا فإن من آكد محاور الترشيد - التي نسجلها في هذا المقام - أن يدرك التيار الإسلامي بفصائله المختلفة أنه يعمل في إطار دول قائمة , وتحت مظلة أنظمة سارية , وأن عليه أن يرتب برامجه في ضوء هذه الحقيقة , وأن يستنفد المتاح قبل أن يتطلع إلى غيره , وأن يدرك أن تشوُّفه لغير المتاح قد يُفقده المتاح وغير المتاح ! .

لقد درج كثير من العاملين للإسلام - خلال الحقبة الماضية - على أن ينطلقوا في أعمالهم الدعوية والتربوية والاحتسابية من خلال الشرعية التي يعتقدونها , والمرجعية التي يَدينون بها , سواء التقت مع المرجعية السائدة في مجتمعاتهم أم تعارضت , وقد ترتب على ذلك ما ترتب عليه من صراعات ومواجهات أسيفة دامية .

ولا يخفى أن هذا الالتزام الذي ندعو إلى التقيد به - من جانب حَمَلَة الشريعة - لا يعني بالضرورة توقُّف مسلسل المواجهات والانتهاكات من الطرف الآخر على الفور , ولكنه بالقطع سوف يُضعف حدتها , ويكسر سَوْرتها , وينقل ما تبقَّى منها إلى إطار جديد , تتمايز فيه المواقف بجلاء , وتنقطع معه شبهات المتأولين والمرتابين ! .

وإن هذه النظرة لتمثل منعطفاً كبيراً في مسيرة العمل الإسلامي , تزداد بها نضجاً وتوفيقاً , وتضيق به شُقة الصراعات بين الفريقين , في الوقت الذي لا تمثل فيه تراجعاً عن التزام واجب , أو تفريطاً في مُحكَم لا يتسنى التفريط في مثله ؛ إذ القدرة هي الشرط العام في جميع التكاليف .

والنظر في مآلات الأقوال والأفعال مقصود معتبر شرعاً , وقاعدة تحقيق خير الخيرين ودفع شر الشرين مما ينتظم به عقد هذا التوجه , ويتسق بها مضمونه كله , وسوف ينعكس هذا التوجه على مواقف كثيرة واجتهادات عديدة , ويرسم مساراً جديداً للعملية الدعوية برمتها , وتمس الحاجة معه إلى مزيد من الدراسات التفصيلية , التي تنقله من حيز التنظير والتجريد إلى حيز التطبيق والتنفيذ , ولا يخفى أن لكل محلة خصوصياتها في هذا المجال , وأن هذا الأمر مما تختلف فيه الفتوى باختلاف الزمان والمكان والأحوال والعوائد .

إن سياسة إطفاء الحرائق ونزع فتيل الاشتعال في علاقات العاملين للإسلام والقيادات السياسية من حولهم وتطويق المواجهات على أرض الإسلام - ينبغي أن تكون هماً يقضُّ مضاجع الغيورين , ويؤرق ليلهم , فلا أقر لعيون الخصوم من تفاقم هذه الصراعات , وتنامي هذه المواجهات , التي تحترق بها الأمة , وتبدد بها طاقاتها داخلياً , دون أن يسكب الخصوم في هذا الإفناء والمحو قطرة دم واحدة ! .

ثانياً: إشكالية العلاقة مع الآخرين: 1- العلاقة مع الآخرين داخل الإطار الإسلامي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت