يثور جدل على الصعيد الفقهي حول مشروعية الصلح مع الصهاينة الغاصبين ومشروعية التنسيق والتقارب مع الرافضة والباطنيين إعمالاً لمقتضيات الضرورة واستجابة لدواعي المصلحة وتتفاوت الآراء بين مجيز ومنكر ومتحفظ , وتشهد الساحة من أئمة أهل العلم مَن لا يرى بذلك حرجاً في إطار الضوابط المعتبرة شرعاً للضرورة أو المصلحة , ويتعامل الناس مع هذه المواقف دونما توجس أو ارتياب , ويقبلون أو يرفضون في غير ما تحفّز أو توثّب , ويبقى لكل طرف حرمتُه المصونة وعِرضه الذي لا يُنتهك .
ولكن الأمر لا يبدو بهذه السلاسة عندما تُعرض قضية التعاون بين الفصائل الإسلامية , التي تدور - في الجملة - في فلك أهل السنة , وتواجه قدَراً واحداً من الجراحات والتطلعات , وتنالها جميعاً مطارق الاستضعاف والمحنة بدرجات متقاربة , وتجد أشد الناس تصلباً في رفض هذا التقارب مَن يرون في اللادينية وتحكيم القوانين الوضعية صورة من صور الكفر الأكبر , وأن الخلل في واقعنا المعاصر قد بلغ مبلغاً لا تُجدي معه محاولات الترقيع , وإنما النقض وإعادة البناء من الأساس , وقد كان أوْلى بهؤلاء - والحال كذلك - أن يكونوا أكثر تسامحاً مع إخوانهم ممن يقفون معهم على أرض الإسلام , ويحملون معهم هَمّ الدعوة إلى تحكيم الشريعة , ويتعرضون - معهم - لنفس الويلات , التي يتعرض لها حملة هذه الدعوة في كل موقع ؛ لأنه إذا صح توصيف تحكيم القوانين الوضعية بأنه من جنس أعمال الكفر والشرك - فلا فتنة أعظم من الكفر , ولا عمل أوجب من التكاتف لإزالته.
ولكن الأمر كان على النقيض من ذلك , فقد كان هؤلاء أكثر الناس تصلباً في الازورار عن إخوانهم , والتجافي عنهم , والغلظة عليهم , متأولين في ذلك بعض النصوص والآثار , التي طُبقت في غير مناطها , وإن كانت حقاً في ذاتها .
ولا مخرج من هذا كله إلا بإحياء فقه الاختلاف , كما فصَّلته مواريثنا السلفية , وترتيب أولويات المواجهة , كما تمليه الضرورات العملية والعملية , بما يدرك معه المتدينون كافة أنه لا إنكار في موارد الاجتهاد , وأن الأصل هو الالتقاء على الثوابت والمحكمات , والتغافر في الظنيات والمتشابهات , وأن الله قد قسم الأعمال كما قسم الأرزاق , وأن من الناس مَن يُفتح عليه في باب من أبواب العلم أو العمل , ومنهم من يُفتح عليه في باب آخر , ومن خلال هذه الجهود مجتمعة يتجدد العمل بفروض الكفايات على مستوى مجموع الأمة , وأنه يجب التفريق بين مناط الاستضعاف ومناط الاستخلاف , وأن ما يحسُن تشديد النكير عليه ومزايلة أصحابه في وقت قد يحسن السكوت عليه ومداراة أصحابه في وقت آخر وفقاً لمقتضيات الزمان والمكان والظروف والأحوال , وأنه قد يتسنى ترك الفاضل وإعمال المفضول في وقت من الأوقات رعاية لمصلحة الاجتماع والائتلاف , وكل ذلك مبثوث في مواريثنا السلفية , ولسنا بصدد تفصيل القول في ذلك فقد أفردت لتفصيله دراسات مستقلة , وحسبنا في هذا المقام هذه الإشارات المجملة , التي أرجو أن يستفيض البلاغ بها , وأن يتأمل طلبة العلم في مداركها , ونحن نتحدث عن فتنة العولمة , واجتياح أعاصيرها بلاد الإسلام ! .
إن تعدد الاجتهادات سُنة من سنن الاجتماع , وحقيقة ملازمة للتجمعات البشرية كافة في مختلف الأزمنة والأمكنة , ولا يذم هذا الاختلاف إلا في صورتين:
الأولى: أن يكون في الأصول والقطعيات كالخلاف على أصل الملة أو الخلاف في الأصول الكلية القطعية في الشريعة , فالأول يخرج به أصحابه من الملة , والثاني يخرجون به عن دائرة أهل السنة والجماعة , ويصبحون فرقة من الفرق الضالة .
الثانية: التعصب المذموم الذي يفضي إلى التفرق , ويخترق به سياج الأخوة الإيمانية , ويصبح به الناس شيعاً متلاعنة متدابرة , ويحُول دون التنسيق والتعاون في مواضع الإجماع , أو في أوقات المحن والكوارث العامة .
ولا يخفى أن المقبول من تعدد الاجتهادات هو ما كان منه داخل الإطار الإسلامي , بل داخل الأصول الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع , وأن التعصب المقيت في الفروع وموارد الاجتهاد ليس من منهج أهل السنة في شيء , وأن فقه الاجتماع في هذه المرحلة يقتضي إعلان النفير العام وحشد كل طاقات الأمة في خندق المواجهة ؛ لأن المنازعة هنا - ونحن نتحدث عن العولمة وتهديدها لديار الإسلام - ليست من جنس المنازعات التي تكون داخل الإطار الإسلامي , ولكنها منازعة على أصل هذا الإطار , هل نقبل بالإطار الإسلامي أم نستبدل التغريب واللادينية (العلمانية) به ؟! .