فهرس الكتاب

الصفحة 3675 من 27364

يثور جدل على الصعيد الفقهي حول مشروعية الصلح مع الصهاينة الغاصبين ومشروعية التنسيق والتقارب مع الرافضة والباطنيين إعمالاً لمقتضيات الضرورة واستجابة لدواعي المصلحة وتتفاوت الآراء بين مجيز ومنكر ومتحفظ , وتشهد الساحة من أئمة أهل العلم مَن لا يرى بذلك حرجاً في إطار الضوابط المعتبرة شرعاً للضرورة أو المصلحة , ويتعامل الناس مع هذه المواقف دونما توجس أو ارتياب , ويقبلون أو يرفضون في غير ما تحفّز أو توثّب , ويبقى لكل طرف حرمتُه المصونة وعِرضه الذي لا يُنتهك .

ولكن الأمر لا يبدو بهذه السلاسة عندما تُعرض قضية التعاون بين الفصائل الإسلامية , التي تدور - في الجملة - في فلك أهل السنة , وتواجه قدَراً واحداً من الجراحات والتطلعات , وتنالها جميعاً مطارق الاستضعاف والمحنة بدرجات متقاربة , وتجد أشد الناس تصلباً في رفض هذا التقارب مَن يرون في اللادينية وتحكيم القوانين الوضعية صورة من صور الكفر الأكبر , وأن الخلل في واقعنا المعاصر قد بلغ مبلغاً لا تُجدي معه محاولات الترقيع , وإنما النقض وإعادة البناء من الأساس , وقد كان أوْلى بهؤلاء - والحال كذلك - أن يكونوا أكثر تسامحاً مع إخوانهم ممن يقفون معهم على أرض الإسلام , ويحملون معهم هَمّ الدعوة إلى تحكيم الشريعة , ويتعرضون - معهم - لنفس الويلات , التي يتعرض لها حملة هذه الدعوة في كل موقع ؛ لأنه إذا صح توصيف تحكيم القوانين الوضعية بأنه من جنس أعمال الكفر والشرك - فلا فتنة أعظم من الكفر , ولا عمل أوجب من التكاتف لإزالته.

ولكن الأمر كان على النقيض من ذلك , فقد كان هؤلاء أكثر الناس تصلباً في الازورار عن إخوانهم , والتجافي عنهم , والغلظة عليهم , متأولين في ذلك بعض النصوص والآثار , التي طُبقت في غير مناطها , وإن كانت حقاً في ذاتها .

ولا مخرج من هذا كله إلا بإحياء فقه الاختلاف , كما فصَّلته مواريثنا السلفية , وترتيب أولويات المواجهة , كما تمليه الضرورات العملية والعملية , بما يدرك معه المتدينون كافة أنه لا إنكار في موارد الاجتهاد , وأن الأصل هو الالتقاء على الثوابت والمحكمات , والتغافر في الظنيات والمتشابهات , وأن الله قد قسم الأعمال كما قسم الأرزاق , وأن من الناس مَن يُفتح عليه في باب من أبواب العلم أو العمل , ومنهم من يُفتح عليه في باب آخر , ومن خلال هذه الجهود مجتمعة يتجدد العمل بفروض الكفايات على مستوى مجموع الأمة , وأنه يجب التفريق بين مناط الاستضعاف ومناط الاستخلاف , وأن ما يحسُن تشديد النكير عليه ومزايلة أصحابه في وقت قد يحسن السكوت عليه ومداراة أصحابه في وقت آخر وفقاً لمقتضيات الزمان والمكان والظروف والأحوال , وأنه قد يتسنى ترك الفاضل وإعمال المفضول في وقت من الأوقات رعاية لمصلحة الاجتماع والائتلاف , وكل ذلك مبثوث في مواريثنا السلفية , ولسنا بصدد تفصيل القول في ذلك فقد أفردت لتفصيله دراسات مستقلة , وحسبنا في هذا المقام هذه الإشارات المجملة , التي أرجو أن يستفيض البلاغ بها , وأن يتأمل طلبة العلم في مداركها , ونحن نتحدث عن فتنة العولمة , واجتياح أعاصيرها بلاد الإسلام ! .

إن تعدد الاجتهادات سُنة من سنن الاجتماع , وحقيقة ملازمة للتجمعات البشرية كافة في مختلف الأزمنة والأمكنة , ولا يذم هذا الاختلاف إلا في صورتين:

الأولى: أن يكون في الأصول والقطعيات كالخلاف على أصل الملة أو الخلاف في الأصول الكلية القطعية في الشريعة , فالأول يخرج به أصحابه من الملة , والثاني يخرجون به عن دائرة أهل السنة والجماعة , ويصبحون فرقة من الفرق الضالة .

الثانية: التعصب المذموم الذي يفضي إلى التفرق , ويخترق به سياج الأخوة الإيمانية , ويصبح به الناس شيعاً متلاعنة متدابرة , ويحُول دون التنسيق والتعاون في مواضع الإجماع , أو في أوقات المحن والكوارث العامة .

ولا يخفى أن المقبول من تعدد الاجتهادات هو ما كان منه داخل الإطار الإسلامي , بل داخل الأصول الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع , وأن التعصب المقيت في الفروع وموارد الاجتهاد ليس من منهج أهل السنة في شيء , وأن فقه الاجتماع في هذه المرحلة يقتضي إعلان النفير العام وحشد كل طاقات الأمة في خندق المواجهة ؛ لأن المنازعة هنا - ونحن نتحدث عن العولمة وتهديدها لديار الإسلام - ليست من جنس المنازعات التي تكون داخل الإطار الإسلامي , ولكنها منازعة على أصل هذا الإطار , هل نقبل بالإطار الإسلامي أم نستبدل التغريب واللادينية (العلمانية) به ؟! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت