وإذا أثيرت المسألة على هذا النحو فإن الأولوية تكون لصالح الانتصار لأصل الدين وتوفير كل الجهود والطاقات للتصدي لخصومه , ولهذا نظير في الأنظمة الوضعية , عندما تمر البلاد بحالة حرب وتجتاحها كوارث عامة تهدد وجودها كله بالفناء والاستئصال - فإن القوى السياسية الموجودة في الدولة كافة (حكومة ومعارضة) تقف صفاً واحداً وخندقاً واحداً ؛ لدفع هذه الكارثة العامة , ويكون الاعتبار القومي مقدماً على الاعتبار الحزبي , ومصلحة الأمة مقدمة على مصلحة فريق معين منها , فتتلاشى التصدعات الحزبية , وتتوارى العصبيات المذهبية , ولا يكون للمجتمع كله من همّ إلا دفع هذا الصائل , والتصدي لهذه الكارثة !! .
وبناءًا على ذلك فلا حرج في تفاوت الاجتهادات والرؤى الفقهية أو السياسية , إذا لم يَحُل هذا التفاوت دون إقامة التنسيق والتعاون بينها جميعاً , بحيث تجمع أصحابها جبهة واحدة للعمل المشترك , ويلتزمون جميعاً بإقامة جماعة المسلمين بمفهومها العام والشامل , إذ لا ضرر في مثل هذا التفاوت , فلا تثريب إذن على أصحابه .
أما إذا أدى هذا التفاوت إلى التمحور حول الذات والازورار عن الآخرين والاستطالة عليهم بغير حق , وبات يُعنى فيه بالفرع على حساب الأصل , وينشغل أصحابه بالجزئيات عن الكليات , ويستغرقون في خلافاتهم الداخلية الفروعية التي تهدر فيها الطاقات , وتتناكر بها القلوب والأرواح - فهو من جنس التفرق المذموم , الذي جاءت النصوص بذمه , وشنت الغارة على أصحابه ؛ لأنه يكون - في هذه الحالة - ذريعة إلى تشرذم الأمة , وتقطُّع أمرها بينها زُبَراً , وما يعنيه ذلك من الفشل وذهاب الريح ! .
2-العلاقة مع الآخرين خارج الإطار الإسلامي:
إذ تجاوزنا الحديث عن خارطة الصلات والعلائق داخل الإطار الإسلامي إلى الحديث عن العلاقة مع الآخرين من ذوي الاتجاهات القومية أو الوطنية خارج الإطار الإسلامي , فهل يشرع التنسيق والتحالف مع بعض هؤلاء لدفع غائلة عامة , والتصدي لعدو مشترك , يجتاح البلاد والعباد , انطلاقاً من عمومات النصوص , التي تحض على التعاون على البر والتقوى , وتأسيساً على صحيفة المدينة , التي اتفق فيها مع جميع الطوائف على الدفاع عن المدينة في إطار مرجعية الشريعة ؟ .
لا شك أننا أمام تساؤل دقيق حري بأن نتدبره في ظل الظروف الراهنة للعمل الإسلامي المعاصر .
ولا يخفى أنه قد جاء من النصوص ما ينهى عن الأحلاف , وجاء منها ما يجيزه , من هذه النصوص:
-ما رواه مسلم في صحيحه عن جبير بن مطعم من قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لا حلف في الإسلام , وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة".
-وما رواه أحمد في مسنده من قول النبي صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس إن ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة".
-ويقابل هذا ما رواه البخاري عن عاصم الأحول أنه قال:"قلت لأنس بن مالك: أبلغَك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا حلف في الإسلام؟ فقال: قد حالف النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار في داره", وقد عقد البخاري باباً في الصحيح فقال: (باب: الإخاء والحلف) .
وقد جمع أهل العلم بين هذه النصوص بأن الحلف المنهي عنه هو الحلف على ما منع منه الشرع , كالذي كانوا يعتبرونه في الجاهلية من نصر الحليف ولو كان ظالماً , ومن أخذ الثار من القبيلة بسبب قتل واحد منها , ومن التوارث ونحوه , وأما ما كان من هذه الأحلاف على نصر المظلوم , والقيام في أمر الدين , والتعاون على البر والتقوى , وإقامة الحق والعدل فهذا باقٍ لم يُنسخ .
وبهذا التفصيل نستطيع أن نفرق فيما قد تقتضيه الظروف المعاصرة من التحالفات المرحلية مع بعض الاتجاهات اللادينية , تحقيقاً لبعض المصالح العامة , أو دفعاً لبعض المفاسد فنقول:
ما كان من هذه التحالفات على تحقيق أمر مشروع التقت مصلحة الجميع في تحقيقه - كإسقاط بعض القوانين الاستثنائية الظالمة , أو دفع صائل أو إخراج عدو داهم بلاد المسلمين فجأة فاستباح بيضتهم أو بصدد أن يفعل ذلك , ولم يتضمن التزاماً على أهل الدين , يغل أيديهم عن تبليغ دعوتهم أو إقامة دينهم - فالأصل في هذا التحالف هو الإباحة , ويبقى النظر بعد ذلك في دراسة جدواه , ومدى ما يمكن أن يحققه من مصلحة أو يدفعه من مفسدة , وفي ضوء نتيجة هذه الموازنة تكون الفتوى لصالح هذا التحالف أو ضده , شأنه شأن سائر مسائل السياسة الشرعية .
2-أما ما كان منه على أمر غير مشروع , أو تضمن التزاماً , يغل أيدي الدعاة عن الصدع بالحق وإقامة الدين - فهذا هو التحالف الممنوع , الذي تظاهرت النصوص الجزئية والقواعد الكلية على ردّه , إلا إذا حملت عليه ضرورة ملجئة .
التحالف مع بعض القوى السياسية الأخرى لإقامة بديل ديموقراطي:
ولعل هذه النتيجة تقودنا إلى سؤال آخر: هل يجوز للاتجاه الإسلامي أن يدخل في تحالف مع سائر الاتجاهات السياسية القائمة لإزاحة ظلم قائم , وإقامة بديل سياسي , يكون الحكم فيه ديموقراطياً , أي يُترك الأمر في تحديده إلى الأمة ؟ .