لا شك أن الإجابة على هذا السؤال تختلف باختلاف واقع المجتمعات , وواقع الديموقراطيات , وواقع الحركات الإسلامية .
فإن كانت المجتمعات لا تزال على ولائها للإسلام , واستمساكها بتحكيم شريعته , وكانت الديموقراطية المقترحة لا تزيف إرادة الأمة , ولا تصادر اختيارات الشعوب - فيصبح القول بالمنع من القبول بالتحالف في مثل هذه الحالة لوناً من التفريط , وإضاعة لفرصة سنحت قد تقيم الإسلام بأدنى خسارة وتضحيات ممكنة .
أما إذا كانت المجتمعات قد انسلخت من دينها , أو كادت وباضت فيها اللادينية (العلمانية) وأفرخت , أو كانت الديموقراطية المقترحة من جنس الديموقراطيات الصورية التي تزيف فيها إرادة الأمة ويُحكم فيها على اختيارات الشعوب بالإعدام - فهنا يصبح القبول بمثل هذا التحالف نوعاً من المجازفة ؛ لأنه يكرس الضلالة القادمة , ويخلع عليها قناعاً من الشرعية , وخير للحركة الإسلامية أن تأرز إلى مساجدها , وأن تعكف على استصلاح أحوال أمتها , وأن تعتزل المعترك السياسي إلى حين ! .
وهناك بُعد آخر جدير بالتدبر , وهو المقارنة بين الواقع القائم والبديل المقترح , فلو كان الواقع القائم قد أوفى على الغاية في القهر والتسلط ومصادرة الحريات والتضرع في الدماء والأموال والأعراض , أو كان البديل المنشود - في أسوأ أحواله - لن يبلغ هذه الدرجة من الاستطالة والسوء فإنه - وإن لم يكن إسلامياً - فسيكون مجتمعاً حراً يطلق حرية القول من عُقُلها , ويتيح لجميع القوى السياسية الحق في أن تدافع عن اختياراتها الفكرية والسياسية , فيستطيع حملة الشريعة في ظل هذا المناخ أن ينطلقوا في الدعوة إلى الله بعد أن كانت الدعوة مصادرة , ويستطيعون أن يعيشوا بالإسلام بعد أن كان العيش بالإسلام جريمة يعاقب عليها ويُفتن الناس بسببها , أفيستطيع منصف أن يتردد في رفض هذا البديل بدعوى أنه لا يريد إلا محض الإسلام ؟! .
نعم , إن حَمَلَة الشريعة لا يريدون إلا محض الإسلام , ولكن أليس الميسور لا يسقط بالمعسور ؟ , ألا يمثل هذا المُناخ الجديد خطوة على طريق استعادة الهوية والتمكين للإسلام ؟ .
إن المقابلة ليست بين الإسلام وبين هذا البديل الديموقراطي - ولو كانت المقابلة على هذا النحو لحسمت القضية على الفور - ولكن المقابلة بين الواقع القائم بجبروته وطغيانه وبين البديل المقترح بحرياته وضماناته , هكذا تكون المقابلة , وعندما تكون المقابلة والمفاضلة بين واقعين: أحدهما تُستباح فيه الحرمات وتُجرَّم فيه الدعوة إلى الله ويُسام فيه المؤمنون والمؤمنات سوء العذاب , والآخر تصان فيه الحقوق والحريات - فإن نتيجة المفاضلة تكون لصالح هذا الأخير ولا شك .
وما أشبه هذه الحالة بحالة الهجرة إلى الحبشة ؛ لقد كان مبررها أن بالحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد , مع اجتماع الواقع في مكة والواقع في الحبشة في صفة الكفر , فما كانت الحبشة يومئذ دار إسلام , بل إن الحبشة - حتى بعد إسلام مليكها - ما أصبحت دار إسلام , فما استطاع النجاشي أن يحكم بالقرآن , ولا أن يقيم في الناس شريعة الله , فقد كان في وضع لا يمكِّنه من ذلك , فعذره الله بإيمانه , وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يصلُّوا عليه صلاة الغائب عند موته , ولكن الفارق أن مكة - يومئذ - كانت تسوم المؤمنين سوء العذاب , أما الحبشة فقد كانت دار أمن , لا يُظلم فيها أحد , فهاجر إليها المستضعفون أفواجاً بعد أفواج .
والأصل في ذلك كله ما تمهد في قواعد الأصول من أن مبنى الشريعة تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها , واحتمال المفسدة المرجوحة تحصيلاً للمصلحة الراجحة , وأن الميسور لا يسقط بالمعسور , وأنه ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك جلُّه .
فإن قيل: ألا يتضمن هذا المسلك نوعاً من الإعانة على المعصية والفسوق عن أمر الله ؟!.
قلنا: لا ؛ لأننا ندفع بذلك منكراً أكبر هو أسخط لله - عز وجل - من هذه المعصية , وقد تجوز الإعانة على المعصية - لا من جهة كونها معصية - بل لما تتضمنه من دفع معصية أكبر , كما ندفع الأموال إلى الكفرة نفتدي بها أَسْرانا من بين أيديهم , وقد أشار إلى هذا المعنى أئمة أهل العلم من قبل .
يقول العز بن عبد السلام - رحمه الله - في كتابه"قواعد الأحكام":"إذا تفاوتت رُتب الفسوق في حق الأئمة قدمنا أقلهم فسوقاً , مثل إن كان فسق أحد الأئمة بقتل النفوس وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع , وفسق الآخر بالتضرع للأموال , قدمنا المتضرع للأموال على المتضرع للدماء والأبضاع , فإن تعذر تقديمه قدمنا المتضرع للأبضاع على مَن يتعرض للدماء , وكذلك يترتب التقديم على الكبير من الذنوب والأكبر , والصغير منها والأصغر على اختلاف رتبها" (قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام 1/86) .