وقال - في معرض الحديث عن تقديم أقل الأئمة فسوقاً عند تفاوت رتبهم في ذلك -:"فإن قيل أيجوز القتال مع أحدهما لإقامة ولايته وإدامة تصرفه مع إعانته على معصيته؟! , قلنا: نعم ؛ دفعاً لما بين مفسدتي الفسوقين من التفاوت , ودرءًا للأفسد فالأفسد , وفي هذا وقفة وإشكال ؛ من جهة أنَّا نعين الظالم على إفساد الأموال دفعاً لمفسدة الأبضاع , وهي معصية , وكذلك نعين الآخر على إفساد الأبضاع دفعاً لمفسدة الدماء وهي معصية ."
ولكن قد تجوز الإعانة على المعصية - لا لكونها معصية - بل لكونها وسيلة لتحصيل المصلحة الراجحة , وكذلك إذا حصل بالإعانة مصلحة تربى على تفويت المفسدة , كما تبذل الأموال في فداء الأسرى الأحرار من المسلمين من أيدي الكفرة الفجرة" (قواعد الأحكام للعز ابن عبد السلام) ."
ويقول - في موضع آخر -:"وقد تجوز المعاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان - لا من جهة كونه معصية - بل من جهة كونه وسيلة إلى مصلحة , وله أمثلة: منها ما يُبذل في افتكاك الأُسارى , فإنه حرام على آخذيه , مباح لباذليه , ومنها أن يريد الظالم قتل إنسان مصادرة على ماله , فإنه يجب عليه بذل ماله فكاكاً لنفسه , ومنها أن يُكرِه امرأة على الزنا , ولا يتركها إلا بافتداء بمالها , أو بمال غيرها , فيلزمها ذلك عند إمكانه , وليس هذا - على التحقيق - معاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان , وإنما هو إعانة على درء المفاسد , فكانت المعاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان فيها تبعاً , لا مقصوداً" (المرجع السابق , 1/ 129) .
وهذا الذي قاله - رحمه الله - سديد في النقل والعقل معاً , وقد يمر بالحركة الإسلامية من الأحوال ما تكون معها مندفعة إلى الأخذ بهذه الاجتهادات , سواء أعرفت وجه مشروعيتها أم لم تعرف ؛ لأنها تجد أن هذا هو الطريق المتعين سلوكه , والذي لا يعني القول بغيره سوى الانتحار أو الجنون !! .
أرأيت لو اجتاحت البلاد جائحة عامة - كاجتياح البعث العراقي أرض الكويت , أو اجتياح اليهود لبلد من بلاد المسلمين - وكان لا يمكن دفْعه إلا بتكاتُف جميع التيارات الموجودة اللادينية والإسلامية لدفع غائلته , ثم اتفقوا أن تُترك الأمور - بعد الجلاء - لما تقرره الأغلبية , ولم يكن من ذلك من بديل إلا تشرذم هذه التيارات , وتمكين البعثيين أو اليهود من رقاب البلاد والعباد , وهم الذين لا يرقبون في مؤمن إِلاًّ ولا ذمة (إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) ]الممتحنة:2[
هل كان يسع الناس في هذه الحالة أن يتركوا اليهود أو البعثيين يغتالون البلاد والعباد ؛ لأنهم لم يتفقوا على الأيديولوجية التي تسود البلاد بعد الجلاء , أم يسعهم هذا الحل المرحلي الذي إن أحسن الاتجاه الإسلامي التعامل معه - استطاع أن يمكِّن للدين من خلاله , وإن لم ينجح في ذلك فإن البديل القادم - مهما بلغ من السوء - فلن يبلغ عُشر مِعشار ما يفعله البعثيون أو اليهود! .
وبناءً على ما سبق فإن تحالف الحركة الإسلامية مع غيرها على إقامة بديل ديموقراطي فيه تفصيل:
إن غلب على ظنها القدرة على إقامة الدين أو تقليل المفاسد ورفع بعض المظالم القائمة وتهيئة أجواء مناسبة للدعوة فالأمر محتمل .
أما إذا غلب على ظنها عدم القدرة على ذلك: إما لأن الديموقراطية المقترحة مجرد مسرحية صورية تضفي طلاءً من الذهب على الأغلال والحكم فيها للشياطين , أو أن الأمة تفشَّت في أوساطها اللادينية والمفاهيم الغربية , وأنها قد بلغت من التشويش مبلغاً لا يسهل معه توقُّع انحيازها إلى الإسلام عندما يخلَّى بينها وبينه , وأن البديل القادم في هذه الحالة سيكون مماثلاً أو أسوأ من الباطل القائم -فالحزم في هذه الحالة هو الكف عن هذا التحالف , والصبر على أمر الله ؛ كما قال - تعالى - (وَقُل لِّلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ(121) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122 ) ) ]هود[ .
ولكن هذه الموازنات حَمَّالة أوجه , ولا يخفى أنها من دقائق الفقه وحقائقه وأغواره , فهي مزلَّة أقدام ومدحضة أفهام , فكم من مغلِق لهذا الباب بالكلية , وما درى أنه يعطل على الأمة كثيراً من المصالح الشرعية ! , وكم من فاتح لهذا الباب على مصراعيه , وما درى أنه يُدخل في دين الله ما ليس منه !! , ويهبط بالرسالة العظمى إلى حضيض المزايدات والمساومات , والمعصوم مَن عصمه الله - عز وجل - ولهذا فإن النصيحة في هذا المقام ذات شقين:
شق يوجه إلى القائمين على الأمر في التيار الإسلامي - ممن يضطلعون بحكم مواقعهم بهذه الاجتهادات وتنتهي إليهم مسئولية البت فيها - وهو أن هذا الباب من الدقائق والمعضلات , وأنه قد زلت فيه أقدام كثيرة , وأن عليهم ألا يستبدوا فيه بقرار قبل استفراغ الوسع في الشورى وطلب النصيحة من كل قادر على إسدائها من أهل العلم وأهل الخبرة .