فهرس الكتاب

الصفحة 3679 من 27364

يجب أن يدركوا أنهم يعالجون أمراً قد يحدد مستقبل العمل الإسلامي ومستقبل الأمة كلها من ورائه , ورُب قرار راشد يُتخذ في هذا المجال يقفز بالعمل الإسلامي سنوات إلى الأمام , وعلى النقيض من ذلك رُب قرار أهوج يجهض مسيرته , ويرمي بها إلى الوراء بضعة عقود ! .

كما يجب عليهم أن يصبروا على ما يتعرضون له بعد ذلك من النقد اللاذع من قبل بعض إخوانهم , ممن لم يدركوا أبعاد هذه الموازنات , وغاب عنهم العلم بتفاصيلها , وباتوا يحاكمونها عن بُعد , ولو أُتيح لهم من الحيثيات والرؤى - ما أتيح لهؤلاء - لكان لهم موقف آخر , يجب أن يصبروا على هؤلاء , وأن يدركوا أن الدافع لهم إلى ذلك هو الغَيرة على الإسلام , والحسبة على ما قد يظنونه تعدياً لحدود الله , وأنه قد يُغتفر بحسن القصد ونبل الباعث كثير من الجفوة والمواقف الحادة .

وشق آخر نتوجه به إلى عامة المنتسبين إلى العمل الإسلامي المعاصر - ممن يعسر عليهم في كثير من الأحيان - فهم بعض المواقف التي يتخذها بعض القادة , انطلاقاً من قاعدة"الموازنة بين المصالح والمفاسد", فيثيرون حولها كثيراً من الضجيج والجلبة , ويسعِّرون بها الفتن , ويشككون بها في القيادة , وربما انتهى بهم الأمر إلى مفارقة العمل الإسلامي بالكلية .

إن رصيداً من الثقة يجب أن ينشأ , وينمو بين عامة المشتغلين بالعمل الإسلامي وبين قياداته , يمكِّنهم من استيعاب هذه المواقف في إطار من الإدراك والموضوعية , بحيث يدركون معه أن كثيراً من هذه المواقف يعتمد على ملابسات وحيثيات تحتاج إلى بسط وتفصيل , وقد لا تستطيع القيادة - بطبيعة الحال - أن تبسط كل ذلك على الملأ ؛ ولهذا فإن الأصل فيمن عُرف بالفضل والربانية أن تُحمل أعماله ومواقفه الموهمة على أحسن محاملها , وأن تُلتمس لها المخارج ما امتهد سبيل إلى ذلك , حتى يأتي من ذلك أمر لا يحتمل التأويل , عندئذ يتسنى لهم أن يقفوا لله وقفة , يصححون بها المسار , ويحافظون بها على ربانية المسيرة , ويمحضون بها النصح للقائمين على الأمر , على أن يتم ذلك كله بما لا يؤدي إلى مفسدة أعظم .

فإذا التزمت القيادة تحري الحق , واستنارت بمشورة الأمناء من أهل العلم في هذه المسائل من جانب , وإذا غلبت القاعدة حسن الظن في المواقف الموهمة من جانب آخر - أمكن للمسيرة أن تغذ السير بمعزل عن عواصف الفتن , وأن يتلاحم هؤلاء وأولئك في ولاء منقطع النظير .

موقع مجلة المنار الجديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت