كانت الحضارة الغربية هو التحدي الأكبر الذي واجه الخلافة العثمانية في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وانتهى الصراع بسقوط الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وبتفكيك ولاياتها وسقوط معظمها في قبضة الانتدابين: البريطاني والفرنسي، وارتفعت أصوات تنادي بالتغريب من أجل التخلص من التخلف الحضاري ومن أجل اللحاق بالحضارة الغربية، وكان كمال أتاتورك أبرز من حمل لواء التغريب، فألغى الخلافة وأعلن النظام العلماني الذي يقتضي فصل الدين عن الدولة نهائياً، وألغى الشريعة الإسلامية، وأعلن الأذان باللغة التركية، وكتب اللغة التركية بالحرف اللاتيني بعد أن كانت تُكتب بالحرف العربي، وأوجب السفور وألغى كل التشريعات الإسلامية المتعلقة بالأسرة الخ. . .
ذلك ما قام به كمال أتاتورك على الجانب التركي من الخلافة العثمانية، أما الجانب العربي فقد قاد الفكر القومي الأمة فيه، واعتبر اللغة والتاريخ عاملي تكوين الأمة العربية، وتنكّر للدين الإسلامي، ولم يعتبره عاملاً من عوامل تكوينها، وكان ساطع الحصري أبرز من رسخ ذلك الفكر القومي العربي الذي يقوم على العلمانية في كل من العراق وسورية بعد أن احتل مراكز تربوية وعلمية راقية فيهما.
وكانت نتيجة المعطيات السابقة جميعها أنّ القيادات القومية العربية جعلت الحضارة الغربية قدوتها ومثالها، وشرعت في تغريب الإنسان والمجتمع العربيين، فأحلت الرابطة القومية محل الرابطة الدينية، ونقلت التشريعات الغربية وقوانينها في كل مجالات الحياة التجارية والزراعية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخ. . . ولم تستثن من ذلك إلاّ قوانين محدودة تتعلق بالأحوال الشخصية كالزواج والطلاق، ونقلت النموذج السياسي الغربي دون أدنى تغيير أو مراعاة لأية ظروف خاصة، ونسخت النظام الاقتصادي الغربي القائم على النظام الربوي بكل شروره وآثامه، ونشرت الآداب والفنون الغربية من مسرح وسينما وتمثيل ورسم ونحت الخ. . . وقد أدى كل ذلك إلى اصطراع عنيف بين النموذج الغربي وبين النموذج الحضاري التاريخي لأمتنا الذي عرفته لقرون طويلة.
أما مصر فقد كان صوت التغريب فيها بعد الحرب العالمية الأولى أعلى من صوته في مثيلاتها العربيات، فقد اعتبر حزب الوفد الذي قاد ثورة 1919م أنّ الشعب المصري أمة فرعونية مكتفية بذاتها، وقد دعا الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي إثر استقلال مصر عام 1936م في كتاب"مستقبل الثقافة في مصر"إلى أخذ الحضارة الغربية كاملة في كل مجال: حلوها ومرها، واعتبر ذلك الطريق الوحيد للرقي وللالتحاق بركب الحضارة البشرية، وقد شهدت مصر بين الحربين العالميتين معارك فكرية صاخبة كان القصد منها خلخلة البناء النفسي للشعب المصري وتهيئته للتغريب الكامل من مثل المعركة التي أثارها علي عبد الرازق في كتابه"الإسلام وأصول الحكم"نافياً وجود حكم يتطلبه الإسلام، ومن مثل المعركة التي أثارها طه حسين في كتابه"في الشعر الجاهلي"والتي أنكر فيها وجود إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وأنكر قصة بنائهما للكعبة، واعتبر تلك القصة أسطورة اخترعتها قريش لإثبات الصلة بين اليهود والعرب وأقرها الإسلام لإثبات الصلة بين القرآن والتوراة، وقد أثارت تلك المعارك الأزهر الشريف فحاكم الكاتبين وأعدم الكتابين، ومما يلحق بتلك المعارك الفكرية الصارخة الدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالأحرف اللاتينية وإلى تغيير قواعد النحو والإملاء والحجة في كل ذلك التيسير.
ثم جاء جمال عبد الناصر إلى الحكم في عام 1952م ونقل مصر من مرحلة القومية الفرعونية إلى القومية العربية، واعتمد في البداية طرح ساطع الحصري القومي العلماني، ثم انتقل عبد الناصر إلى المرحلة الاشتراكية في الستينيات، وقد استمرت مصر ماضية في أمر التغريب، ولكنّ تغريبها هذه المرة مستمد من الشق السوفييتي الاشتراكي، لذلك حكمت المجتمع التطبيقات الاشتراكية من مثل تأميم وسائل الإنتاج، وقيادة العمال والفلاحين، والصراع الطبقي، والعنف الثوري الخ. . . ثم سارت عدة دول عربية على نهج مصر القومي الاشتراكي ومنها: السودان، والجزائر، اليمن...الخ