فهرس الكتاب
لقد كان منصور النقيدان رمزا للشللية العمياء التي تتفق في الليل على فكرة ، ثم تروج لها في الصباح ، ولذا لم يكن حراكه الثقافي ناضجا في أي مرحلة من مراحل حياته ، وهذا ما سبب التعثر في كل مرحلة ، وفتح مرحلة من الصراع مع الخصوم الذي لا يهدأ ، وكان ابرز معالم تلك الشللية"الحدة في حمل الفكرة الى درجة الغلو فيها"و"الوثوقية في المنهج الى درجة القطع واليقين"، و"الانتقال من الفكرة الى نقيضها"بلا أدنى استشعار للحرج من الآخرين ، و"محاولة الاستقلال"الى درجة المفاصلة ، و"محبة التميز"ولو على أكتاف نقد المعظمين عند الآخرين ، و"الصراحة"في البوح بما يحمل من فكرة حتى لو أدت الى المصادمة والمناكفة مع الخصوم ، وفي كل مرحلة يشعر هؤلاء الشلة أنفسهم بأنهم وجدوا ضالتهم المنشودة ، ووقعوا على طريدتهم الغائبة ، ولا أدري كيف يضمنون الآن سلامة ماهم عليه ، وهو نفس الشعور الذي يكتنفهم في أي مرحلة يمرون بها ..!
لعل منصور النقيدان مثل كثير من الشباب الذي تضرب عليهم صورة نمطية سيئة ، وينتشر عنهم سلوكا مرفوضا من الكثير ، ثم يستحيل بعد ذلك ان تتغير تلك الصورة في ذلك الوسط ، مما يدفع الشاب الى البحث عن بيئة لا تعرف خلفياته، ولا ماضيه وافعاله ، فهو يتنفس الصعداء حين يجلس في مجلس يعرفه لأول مرة ، فهو يخرج كل قدارته وطاقاته التي لا يراها اولئك شيئا يذكر ، ويحس بارتياح شديد للبيئة الجديدة ، وهذا ما حصل فعلا لمنصور حين ترك القصيم قافلا الى الرياض وغيرها في تنقلات كثيرة ، ولكنه سرعان ما ينكشف أمره من خلال الملاحقين له ، المعارضين لطريقته ، مما جعل منصور النقيدان يجد ان التيار كله يحتاج الى مواجهة وغسل وحرب لا هوادة فيها ، وهذا لا يأتي إلا من خلال"التحيز"الى تيار مقابل يشكل خصومة فكرية ونفسية ، وهذا بالضبط ما وجده منصور النقيدان في التيار"الليبرالي"الذي يعد خصما تقليديا للتوجه الاسلامي ، ولذلك كانت بداية منصور النقيدان هو في النكاية بأعظم رمز عند التيار وهو إمام أهل السنة"أحمد بن حنبل"الذي طالته اول مقالة سطرها منصور النقيدان ، ولذا لم يجد منصور النقيدان للبداية في هذا المشروع إلا مقالا سرقه الجابري من فهمي جدعان ، فسرقه هو من ذلك السارق ، حيث جعل الامام أحمد مستبدا ظالما ومتعاظما في مقابل المسكين الضعيف ابن أبي دؤاد الذي كان يسومه ابن حنبل سوء العذاب ، ففجأة فاذا الجلاد المعتدي مجلودا ، واذا المجلود الكسير ظالما جبارا ، فكانت فكرته اقرب الى العبثية واستفزاز المقابل أكثر من كونها دراسة واعية لشخصية كالامام أحمد الذي كان النقيدان يتغنى بذكره في مجالسه ، وكان أشد المعجبين به ، بل كان الامام أحمد وموقفه من فتنة خلق القران افتتاحية يفتتح فيها النقيدان خطاباته النضالية ، ورمزا للصمود والاباء والعزيمة ، وفجأة انقلب عليه .. ونصر خصمه اللدود ابن ابي دؤواد عليه !
في اعتقادي ان هذا المقال الأول الذي سطره النقيدان يصلح لأن يكون"تيرمومتر"لفكر النقيدان ، ومقياسا لمدى البعد النفسي الحاضر في كل ما قاله وفعله النقيدان في ايامه التي تلت ذلك المقال ، وخاصة ان النقيدان يحمل مخزونا من الافكار التي يمكن ان يجيّر أي طرف من قوليها فيما يريد ، ويعرف مداخل المسائل ومخارجها التي من خلالها يستطيع النكاية بخصومه ، ولذلك يستطيع ان يجلس في مجلس ليقرر فيه ان صلاة الجماعة فرض عين اذا كان في المجلس من يراها فرض كفاية ساردا نصوص القول الأشد ، ثم يستطيع كذلك ان ينتقل الى مجلس آخر بعد عشر دقائق ليقرر أنها سنة مؤكدة ، مستحضرا قول المقابل ، وتأويلات وتخريجات الفقهاء ، بل ويستطيع ان يأتي بشبهات كل فرقة على أهل السنة والتي في يوم من الايام كان يستحضرها للرد عليها ، والدفاع عن الكتاب والسنة ، ولعل مقاله في الدعوة الى نشر فكر"الإرجاء"خير شاهد على هذا ، فهو كان يرفض الصلاة خلف سني قال بقول فيه شوبة ارجاء ، ثم هو بعد سنة او أكثر يدعو الناس الى ان يشيعوا في نواديهم فكرة الارجاء التي تسلخ العمل عن الايان ، وكأن مسائل العلم اصبحت عنده مسرحا ينتقي منه ما يريد في سبيل النكاية بتيار يعاديه ، ويفرغ حنقه النفسي عليه من خلال لعبة التأويل في الاقوال ، او ضرب أدله الفرقاء بعضها ببعض ، وهذا ما رأيته بارزا في حلقة النقيدان في برنامج"إضاءات"حيث ظهر في الحلقة براعة النقيدان في"التأويل"في الأقوال التي يظهر في بشاعة القول الملفوظ ، وتخريجاته الباطنة التي لو صادف طالب علم يناقشه فيها لوجد له الف باب يخرج منه ، تماما كما يفعل الجربوع للعارفين بحال الجرابيع وطريقة هروبها من الاصطياد !
أليس عجيبا فعلا ان اسمع النقيدان قبل انتقاله الى وضعه الحالي بأشهر قليلة وهو إمام مسجد يحتد على شيخ مشهور ويقول حين عرض عليه قول له:"هذه زندقة"، ثم بعد ذلك بقليل يركب موجة معادية لا للمتطرفين الارهابيين من التيار ، بل لكل التيار بأطيافه المختلفة ، ومدارسه المتباينه ، فهل للسرعة في الانتقال دلالة ومعنى ؟؟