فهرس الكتاب

الصفحة 21804 من 27364

وإن من أعظم ما حرص الإسلام على بقاء صفائه ونقائه وتميزه ، هو شخصية هذا الدين وقبوله كما أنزل بأوامره وزواجره وحدوده وقواعده بعيدا عن التمييع والتشويه والغلو والإفراط والتفريط ، والحفاظ عليه من أن يَفرُط إليه وصم أو يلحقه ويلجه ما ليس منه ، وهذا ما جاء مؤكدا في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، قال الله تعالى: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون خبير} وقال سبحانه: {واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين} ، وقال سبحانه {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} ، وقال سبحانه {فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم} ، وقال جل من قائل: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} وقال سبحانه {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ، وغيرها من الآيات الكثيرة الدالة على ذلك .

وقال صلى الله عليه وسلم: (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ).

وقال عليه الصلاة والسلام: (( فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ) )ونحو ذلك من الأحاديث .

والمقصود من ذلك أننا وفي غمرة السعي الدءوب لإقامة دولة للإسلام أفرادا وجماعات ينبغي أن لا نغفل عن هذه القضية الكبيرة ، حيث يصبح حالنا كمن يهدم ما يبنيه بيديه ، ويفسد ما يريد إصلاحه وتغدو أقوالنا تدعو الناس للتمسك بالإسلام وتعاليمه وسلوكه وقيمه وعقائده في الوقت الذي تكذب أفعالنا ما نقول وتعطي الناس صورة مغايرة بل مضادة لما تطبعه وتقرره أقوالنا في أذهانهم ، فكيف إذا اجتمعت أقوالنا وأعمالنا واعتضدت على الدعوة إلى مناهج أرضية ونظم جاهلية ما أنزل الله بها من سلطان ، بل هي من خالص ما أوحاه الشيطان إلى أوليائه لا شك أن الطامة عندها ستكون أكبر والمآلات السيئة أخطر.

ثم إن محاولة إظهار الدخول"للمسرح"الديمقراطي والمشاركة في"لعبتها"بأنه مجرد استغلال واستفادة من هامش الحريات التي يقررها هذا النظام ، مع زعم الحفاظ على تميز الإسلام وشخصيته المستقلة لَهُوَ ضرب من العبث ونوع من الاستخفاف بعقول الناس ومخادعة مكشوفة للأنفس ، إذ إن الواقع العملي والقولي ممن خاضوا غمارها من الإسلاميين يدل على خلاف ذلك تماما فلم يعد غريبا أن تسمع من يقول منهم: أنا لست ضد الديمقراطية ، أو أنا مع الديمقراطية بكل أبعادها ، أو إن الديمقراطية هي السبيل أو القناة الشرعية التي نتحصل من خلالها على الحقوق المهضومة والمسلوبة ، أو أنا مع التعددية المطلقة ، أو أنا ضد من يحارب النظام الديمقراطي.. إلخ ، وهذا على صعيد التصريحات والأقوال .

أما في جانب الأفعال فثمة ما هو أشد وأدهى وأمر وأنكى مما لا يحتاج إلى إثبات وبيان لظهوره وشيوعه ، فالواقع أفصح بيانا وأبلغ لسانا.

نعم .. جاءت الديمقراطية بشعار"حرية العقيدة"بكل ما تحمله هذه الكلمة من المعاني المطلقة من كل قيد والسائرة في كل درب فنادى المغرمون بها - من الإسلاميين - وهم في هيام الإعجاب ببهرجتها وعلو صخب دعاتها وذويها: أيها الديمقراطيون لم تأتوا بجديد ، فإن حرية العقيدة مما سبقكم إليه دين الإسلام ، فهي من مقرراته وآدابه وأصوله والدليل: {لا إكراه في الدين} ، إذاً وكما يريد الإسلاميون الديمقراطيون ـ هذا قاسم مشترك بين الديمقراطية والإسلام فلم الإنكار والتشهير.

إن من يكون له أدنى إلمام ببدهيات الإسلام ومسلماته يعلم علم اليقين أن"حرية الاعتقاد"بالمفهوم الذي تدعو إليه الديمقراطية وتجعله مبدأ من مبادئها ويعد أصلا لا ينفك عنها ، يصطدم اصطداما كليا ويضاد مضادة تامة أصولَ الإسلام وقواعده جملة وتفصيلا فضلا عن أن يكون جزءا منه أو من مقرراته التي يدعو إليها .

وأول ما تصطدم به وتناقضه"حد الردة"، فإن صلى الله عليه وسلم قال في حديث صحيح صريح: (( من بدل دينه فاقتلوه ) )رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه ، وهذا ما أجمع عليه العلماء من الصحابة ومن بعدهم وقرروه قولا وعملا ، وإنما خالف من خالف في المرأة المرتدة مع أن الأدلة مع من سوَّاها بالرجل لقول صلى الله عليه وسلم: (( أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فان عاد وإلا فاضرب عنقه ، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فان عادت وإلا فاضرب عنقها ) )، قال الحافظ في الفتح: (وسنده حسن) ، فالمقرر في شريعة الإسلام أن من ارتد عن دين الله تعالى إلى أي دين كان سواء صار يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو وثنيا أو شيوعيا أو علمانيا فليس له إلا الرجوع إلى الإسلام أو القتل مهما تدثر بثار الفكر والحرية والتجديد والنضوج والحضارة إلى آخر القائمة المعاصرة التي بها هدم الإسلام ومزقته السهام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت