فهرس الكتاب

الصفحة 11768 من 27364

وقد اتضحت خطورة التغلغل الإسرائيلي في الأردن، بشكل واضح، بعد احتلال العراق في أبريل 2003؛ إذ أصبح الأردن المعْبر الرئيس لنقل البضائع الإسرائيلية إلى العراق، كما لعب بعض رجال الأعمال الأردنيين- بحكم علاقتهم السابقة مع نظرائهم الإسرائيليين - دور الوسيط بين التجار العراقيين والدوائر الاقتصادية في إسرائيل. وعلى الرغم من نفي بعض الدوائر الرسمية لعبور أي سلع إسرائيلية عبر الأردن إلى العراق، إلاّ أن هذا النفي يتصادم مع الحقائق على الأرض، كما أن التقديرات الخاصة بالصادرات الإسرائيلية إلى الأردن تكشف عن ارتفاع كبير، وغير مبرَّر اقتصادياً في ظل النطاق المحدود للسوق الأردني بملايينه الأربع.

تطبيع عن بُعد

وإذا كانت اتفاقيات الكويز قد منحت إسرائيل منفذًا لتصدير المواد الخام إلى مصر والأردن ليُعاد تصنيعُها ثم تصدُيرها إلى الولايات المتحدة، فإن إسرائيل لم تكتف بذلك، وحاولت بشتى الطرق التغلغلَ في أسواق عربية أخرى، وذلك من خلال ما يمكن أن نسميَه"التطبيع عن بُعد"؛ إذ يلجأ التجار الإسرائيليون ومَن تورط معهم في"وحل التطبيع"من رجال أعمال عرب إلى استيراد سلعٍ وبضائعَ إسرائيليةٍ عبر بلد ثالث، بعد إزالة أي إشارة تدلّ على المنشأ الإسرائيلي لهذه السلع، واستبدالِه بشعار دولة أخرى تحظى منتجاتها بثقة لدى المواطن العربي، الذي يصبح بذلك"مطبّع رغم أنفه".

وتمثل قبرص المركزَ الرئيس لإعادة تغليف السلع الإسرائيلية وتغيير بلد المنشأ الخاص بها، ثم إعادة تصديرها إلى الدول العربية، واختيار قبرص بالذات لتلك المَهَمّة، لم يكن أمرًا عشوائياً، حيث تُعدّ أقربَ الشواطئ الأوروبية للدول العربية؛ ذا تتجاوز المسافة بينها وبين سوريا (90) كم، وأقل من ذلك بكثير بالنسبة للبنان، كما أن الرقابة التجارية والجمركية فيها تعدّ شبهَ معدومة، على العكس من باقي الدول الأوروبية التي تفرض إجراءاتٍ مشددةً على شهادات المنشأ الخاصة بالسلع المصدَّرة عبر موانئها، فضلاً عن أن أسعار الشحن والتفريغ في قبرص تُعدّ منخفضةً للغاية مقاربةً بباقي الموانئ الأوروبية.

وفوق ذلك، فإن قبرص تشكّل مركزًا إقليمياً هاماً لعشرات الشركات العربية والإسرائيلية الكبرى، وهو ما يسهّل إمكانيةَ التعارف وعقد الصفقات بين تلك الشركات، خاصة في ظل تواجد عشرات السماسرة العرب والإسرائيليين الضالعين في هذا النشاط منذ سنوات طويلة، وليس سراً الإشارةُ إلى أن معظمَ هؤلاء، سواء كانوا عرباً أو إسرائيليين، هم من رجال السياسة والمخابرات السابقين، الذين كانت لهم عَلاقة بالملف العربي الإسرائيلي.

ويبرز من الجانب الإسرائيلي كلٌّ من: رئيسِ هيئة الأركان السابق أمنون شاحاك، وجلعاد شير رئيسِ الطاقم الإسرائيلي المفاوض في"كامب ديفيد 2".

وتبدأ عملية"غسيل"السلع والبضائع الإسرائيلية؛ كي يمكنها الدخول إلى الأسواق العربية قبل نقلها إلى قبرص، حيث تتم إزالة العلامات التجارية وأي إشارة تكشف عن هويتها الأصلية، ثم يتم نقلها بالبحر أو الطائرة إلى قبرص، وهناك يتم عمل وثائق وشهادات مزيفة، تشير إلى أن البضائع مصدرُها أي دولة أوروبية أو حتى دولة عربية، ثم تخرج البضائع من قبرص إلى لبنان أو سوريا حيث يتم توزيعُها وتسويقها على كل دول المنطقة العربية.

الثقب التركي

ويلجأ المستوردون إلى عدة طرق للتغلب على عقبة شهادة المنشأ؛ فالبعض يطلب من المصانع الإسرائيلية عدم وضع أي إشارة تدلّ على أن منتجاتِها صُنعت في إسرائيل، ويقوم المصنع بتزويد المستورد بشهادة منشأ غير حقيقية لدولة أخرى، وغالباً ما يستخدم هذا الأسلوب مع المواد الغذائية والمنسوجات والدهانات والمعدات الخفيفة. وفي بعض الأحيان يتم استيراد السلع كما هي من إسرائيل، ثم يتم إزالة أي علامة تجارية تدل على هويتها الحقيقية، ووضع علامة تجارية جديدة، وإعادة تصديرها مرة أخرى على أنها مستوردة من قبرص أو تركيا أو أوروبا.

وتشكل تركيا أيضاً أحدَ"الثقوب"التي استطاع الإسرائيليون"نقبَها"في جدار المقاطعة العربية، وتمتاز تركيا عن قبرص، بكونها دولة مسلمة تحظى منتجاتُها بسمعة لا بأس بها لدى المستهلك العربي، كما أنها تتفوق على الأردن بسوقها الاقتصادية الضخمة، وبالتالي فإن أي سلع إسرائيلية تُهرّب عبرها للوطن العربي لن تكون لافتة للنظر، بحكم العلاقات التجارية المتشعبة بين أنقرة والعديد من الدول العربية.

وقد مثّل العراق نقطة"تقاطع مصالح"بين رجال الأعمال الإسرائيليين والأتراك، فالطرف الأول يريد منفذًا يعبر منه للعراق، وهو ما يتوفر لتركيا عبر كردستان العراق، والتي تُعدّ أكثرَ أماناً من الطريق بين بغداد وعمان، حيث تقع مدن المثلث السني المشتعل، كما أن إسرائيل تتمتع بعلاقة قوية مع أكراد العراق، بل ويتحدث البعض عن شبكة مصالح اقتصادية أقامها الإسرائيليون في شمال العراق خلال السنوات العشر الماضية، مستغلين حالة الحصار والحظر الجوي الذي فرضته الولايات المتحدة على شمال العراق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت