ولم يكن (النديم) داعية لمطلق التقدم والنهوض فحسب، بل كان داعية وعلى استبصار مشهود منه وله، إلى تقدم يوقف تيار أوروبا ويضارعها قوة وعلماً، تبصراً منه بالأخطار الحقيقية الكامنة وراء الغزوة الفكرية والعسكرية التي كانت تشنها أوروبا على أمتنا في ذلك الوقت، ولا تزال.
وهو وإن كان يؤخذ على كتاباته تأثرها وانطباعها برؤية ِأستاذه الأفغاني حول مستقبل الصراع بين أمتنا والحضارة الغربية وصياغته على أساس كونه صراعاً بين (الشرق) و (الغرب) ؛ معتبراً بذلك «الدائرة الشرقية» ، كما أستاذه الأفغاني، دائرة انتمائه الحضاري، لا الإسلام وحده، إلا أنه مع ذلك اعتبر الدولة العثمانية بوصفها كبرى دول الشرق وحامية حماه ضمن إطاره الحضاري و «جامعته الشرقية» على حد تعبيره، جامعة للأجناس والأعراق والقوميات الإسلامية وغيرها، والسياج الذي يتعلق به الشرقيون، على حد تعبيره، اتقاء للخطر الاستعماري الزاحف على ديار الإسلام والشرق عموماً، ومن هنا كان تأييد تيار الجامعة الإسلامية وزعيمه الأفغاني للدولة العثمانية، مع المناداة بضرورة إصلاحها من الداخل والسعي إلى تجديد طاقاتها واستعادة دورها الريادي والحضاري.
وإذ يعترف (النديم) بدور الغرب في إيقاظ الأمة بمعنى إيقاظ المقابل الحضاري لمقابله، ولعبه دور (المستفز الحضاري) للأمة، فإن ذلك لم يغيب عنه ضرورة صياغة مقومات الانتماء وثوابت النهوض التي لا يجوز التفريط فيها ولا التنازل عنها، والتي رآها في: حفظ المظهر والوجاهة، وحفظ الثروة من صناعة وتجارة، وحفظ الوطنية وحقوقها وواجبات أهلها، وحفظ الجنسية بعدم التقليد والاتباع لمحسنات الغير ومجاراته في أقواله وأفعاله، وحفظ اللغة التي هي أداة الحفاظ على الأخلاق وتحسين العادات والمألوفات، وحفظ الدين الذي يمثل حفظه الجامعة الحافظة لكل مقومات الانتماء.
ويركز (النديم) بشكل واضح في معالجته لهذه العناصر على كل من (الدين) و (اللغة) ، فالإسلام، «هو مرجع المجد وأصل الشرف» [2] ، وهو «أقوى دعائم العمران، والسبب الوحيد في المدنية وتوسيع العمران أيام كان الناس عاملين بأحكامه» [3] . و «ليس هناك حبل متين تقاد به الأمم غير الدين» [4] . وهو بذلك يتصدى لمن ادعى رد سبب تخلف المسلمين وتأخرهم من قبل الأوروبيين إلى الإسلام، كاشفاً عن دوافع تعصبهم الديني إزاءه، ومن هنا جاء دعمه ووقوفه إلى جانب الدولة العثمانية لكونها تقف في مواجهة ذلك ولو ظاهرياً، «فلو كانت الدولة العثمانية مسيحية الدين، لبقيت بقاء الدهر بين تلك الدول الكبيرة والصغيرة، ولكن المغايرة الدينية، وسعي أوروبا في تلاشي الدين الإسلامي، أوجب هذا التحامل» [5] .
ورأى (النديم) في «اللغة العربية» ثابتاً هاماً من ثوابت الهوية الحضارية التي لا يجوز المساس بها إطلاقاً، لأنها «لسان الدين» و «ترجمان الوطن» ، وعنوان الحفاظ على الهوية الحضارية لأمتنا، وواجه النديم آنذاك التحديات التي هددت اللغة العربية من قبل المتغربين وأبواق الاستعمار وغيرهم، وقد تمثلت تلك التحديات في كل من اللغة التركية التي حاول حزب الاتحاد والترقي فرضها على البلاد العربية، واللغات الأوروبية التي زحفت على الأمة في ركاب الاستعمار ومدارس التنصير والتبشير، وتحدي اللهجة العامية التي سعى أجراء التعريب إلى استبدالها باللغة الفصحى؛ تمهيداً لإزاحة الإسلام والقرآن والتراث وطمس الهوية الحضارية المتميزة لأمتنا.
وعلى الرغم من حالة الصراع الفكري والسياسي التي كان يعيشها النديم في مواجهة الاستعمار الإنكليزي وأبواقه من المتغربين والعلمانيين، إلا أن ذلك لم يحل بينه وبين الاعتراف بالوجه الآخر للحضارة الغربية، وقيامها على مستوى متقدم من العلم والتطور المدني والحضاري، وهو لم يدع يوماً إلى رفض ذاك (الآخر) أو ما قد يأتي منه من معارف وتقنيات وعلوم، بل دعا إلى الأخذ بعد تفحصيه وسبر أغواره ومدى ملاءمته لحضارتنا وهويتنا ومبادئنا وقيمنا الأصيلة.
وكان (النديم) يخوض معركة المواجهة مع تيار التغريب ودعاته على قدم وساق، وبالتوازي مع مواجهته للخطر الاستعماري والغزو الثقافي المباشر، فخاض معاركه الفكرية والثقافية مع خريجي مدارس التبشير ممن عرفوا باسم (المسيحيين الشوام) ، أصحاب مجلة (المقتطف) وجريدة (المقطم) من أمثال: (يعقوب صروف، وأمين شميل، وشبلي شميل، وشاهين مكاريوس) ، وأضرابهم ممن وهبوا أنفسهم للمحتل وثقافته، ومارسوا التبشير بثقافته وحضارته والتشكيك بهوية الأمة وحضارتها وقيمها وحتى كتابها، وكان النديم يصنف جريدة (المقتطم) ضمن «الجرائد الإنكليزية التي تصدر في مصر» ، وكتابها بالأجراء الخونة، عملاء الأجانب الذين خانوا أوطانهم وسلطانهم وأهلهم ودينهم، ممن تعلم في مدارس الغير وباع نفسه لها، بل إن نصب النديم نفسه لمواجهة دعاة هذا التيار وأفكاره كان سبباً مباشراً في إرجاف أولئك الأجراء لدى المحتل وحمله على نفيه خارج مصر، مازجاً بذلك النديم بين الجهاد الفكري والجهاد السياسي.