فاجتهدوا على الفكاك منها بالقوة مرة، وخلق الدسائس والاضطرابات مرة، وبالحملة على عبد الحميد وتشويه سمعته ثم الانقضاض عليه حتى ينتهي الأمر بعزله، ومن ثم كانت الجامعة الإسلامية التي دعى إليها عبد الحميد لبعث القوة الإسلامية، والوقوف بها أمام الغرب الطامع، إحدى حلقات الصراع التي أدارها السلطان أثناء خلافته، ولم تكن بالطبع هي الحلقة الوحيدة التي صارع في رحابها عبد الحميد، لأن الغرب لم يكن وحده مهتمًا بعزله وتمزيق دولته، بل كانت هناك قوى أخرى لعبت دورًا كبيرًا سارت به في اتجاه متواز تمامًا مع الجهود الغربية؛ ألا وهي المنظمات الصهيونية المتحالفة مع الماسونية، في التهام فلسطين من سكانها العرب، وقد بدأت هذه الجهود منذ عام 1897 بانعقاد المؤتمر الصهيوني برئاسة هرتزل في مدينة بال السويسرية، وقرر إنشاء الدولة اليهودية خلال خمسين عامًا، فاستغلت الجمعية الصهيونية الضائقة الاقتصادية التي كانت تمر بها الدولة العثمانية، ولجأت إلى الإغراء المالي لتحقيق أهدافها، واختارت (آمانويل قره صو) المحامي اليهودي، مؤسس المحفل الماسوني في مدينة سلانيك، لمقابلة السلطان عبد الحميد، وعرض مطالبهم عليه، وبالفعل تم ذلك بتاريخ 17 سبتمبر 1901ص، وقدم إليه عريضة يلتمس فيها منح اليهود منطقة ذات إدارة ذاتية في فلسطين، وفي مقابل ذلك تقدم الجمعية الصهيونية قرضًا لمدة غير محدودة، قيمته (20) مليون ليرة ذهبية دون فائدة، إلى خزينة الدولة، و (5) ملايين ليرة ذهبية إلى خزينة السلطان الخاصة كهدية، إلا أن السلطان عبد الحميد فور سماعه فحوى العريضة، استشاط غضبًا وطرد (قره صو) وقال:"إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبًا، فلن أقبل، إن أرض فلسطين ليست ملكي، إنما هي ملك الأمة الإسلامية، وما حصل عليه المسلمون بدمائهم، لا يمكن أن يباع، وربما إذا تفتت امبراطوريتي يومًا، يمكنكم أن تحصلوا على فلسطين دون مقابل)."
ولم يكتف السلطان بذلك، وإنما أصدر عددًا من الإرادات السَنيّة؛ يحظر فيها على ولاته، السماح لليهود بشراء أراض في فلسطين، أو استقرارهم فيها، وجاء في أحد فرماناته: (لا يسمح بإجراء ينتج عنه قبول اللاجئين اليهود المطرودين من كل بلد يترتب عليه إنشاء حكومة موسوية في القدس مستقبلًا، لماذا نقبل في بلادنا من طردهم الأوربيون المتدنون وأخرجوهم من ديارهم؟ ونطلب إلى مقام الصدارة، اتخاذ قرار عام في هذا الموضوع) .
ولم يقتصر السلطان على الصدر الأعظم رئيس الوزراء وإنما أصدر فرمانًا موجهًا إلى السلطات العسكرية مباشرة؛ يأمرهم فيه بمنع قبول اليهود أو إسكانهم في فلسطين.
فقد أدت مواقف عبد الحميد المتصلبة أمام المشروع الصهيوني، إلى جعلهم يوقنون باستحالة تحقيقه، طالما بقي هو على سدة الحكم، وقد عبّر هرتزل عن ذلك بقوله: (لقد فقدنا الأمل في تحقيق آمال اليهود في فلسطين، فإن اليهود لن يستطيعوا دخول الأرض الموعودة، طالما ظل عبد الحميد قائمًا في الحكم مستمرًا فيه) .
ومن ثم كان خلع عبد الحميد وتمزيق حكمه، هدفًا وغاية لا يمكن الرجوع عنها، وسوف نرى فيما بعد، الدور الصهيوني في انقلاب 1908ص، الذي نتج عنه عزل السلطان عبد الحميد.
ويبقى لكل متأمل؛ كيف صارع السلطان عبد الحميد قوى الشر التي اتحدت ضده وأسقطت حكمه، أن يستوعب الدور الذي قامت به"جمعية الاتحاد والترقي الماسونية"وترجع جذور هذه الجمعية إلى الجالية اليهودية المهاجرة من الأندلس إلى مدينة سلانيك العثمانية منذ 1512ص، وعرفت ب (يهود الدونمة) ، وفدت على تركيا ورحبت بهم الدولة آنذاك، نظرًا لثرواتهم المالية، واستقر بهم الحال في سلانيك، وزادت ثرواتهم، وقويت جاليتهم، ثم ظهر منهم يهودي اسمه (شبتاي) ، ذهب إلى بيت المقدس وأعلن أن الأوان قد حان لعودة إسرائيل، ثم جاء إلى استنبول معلنًا إسلامه، وأسلم معه جماعة عرفوا ب (الدونمة) ، وقد سجل كثير من المؤرخين؛ أن إسلام هذه المجموعة لم يكن إلا لتحقيق غايتهم ومآربهم، ثم اشتد نفوذهم خلال حكم السلطان عبد الحميد، وأنشأ لهم (قره صو) المحافل الماسونية في سلانيك (والمعروف أن مدينة سلانيك كان بها خمس محافل ماسونية، تضم 50 ألف يهودي، وكان لها اتصال بجمعية الاتحاد والترقي، وتأثير في أنظمتها) .
يقول الكاتب الغربي (بين هيس) :" (الدونمة) كثيرون؛ منهم مدحت باشا حاكم ولاية الدنوب، الذي كان ابن حاخام هنغاري، وهو الذي أنشأ المدارس اليهودية في الشرق الأدنى، وكان قادة حزب الاتحاد والترقي من الدونمة، وكذلك أتاتورك، والدكتور ناظم، وفوزي، وطلعت، ونعوم أفندي، وغيرهم".
فكانت جمعية الاتحاد والترقي، هي الأداة التي استخدمتها الدول الغربية والجمعية الصهيونية في تنفيذ المخطط الصليبي الصهيوني ضد الدولة العثمانية، وكان موقف السلطان عبد الحميد منه، موقف العداء لهم ولمخططاتهم، وكان موقفهم منه كذلك.