فهرس الكتاب

الصفحة 20606 من 27364

وحينما يحاول العلماء الوصول إلى حقيقة كاملة لها في الطبيعة الموجودة أمثلة وأفراد، فإنهم يتجهون لدراسة هذه الطبيعة، من خلال الموجودات واتجاهاتها الغرزية السوية، ليصلوا إلى الحق، وعندئذ يرون التطابق تامًا بين الغرائز وفطر الكائنات وبين منطق العقل، بشرط أن تكون هذه الغرائز والفطر على وضعها السوي الذي فطرها الله عليه، ولم تفسد بالأوهام وإرادات الناس، والتطبع المكتسب .

الأمر الثالث: من الملاحظ دائمًا في سلوك الناس، أن الخطأ والفساد إنما يأتيان من الأوهام، لا من منطق العقل، ودلائل التجربة التي تسير وفق طبائع الأشياء .

وقصة المرأة صاحبة المصعد لو صحت فإنها لا تشبه بحال من الأحوال ظاهرة الدين.

إن المرأة تصورت - بحسب الدعوى المطروحة - تصورًا خاطئًا كان به إنقاذها، لكنها بعد لحظات صحت فعاد إليها رشدها، وأبصرت بعقلها الواعي الحقيقة، وعرفت أنها كانت مخطئة .

بخلاف ظاهرة الدين، فإن المخاوف قد تحرك الفطرة للتعلق بأسباب الأمن، وعندها يأتي منطق العقل باحثًا عن القوة الغيبية التي تملك هذا الأمن، ولسنا ندعي أن العقل وحده سيصل حتمًا إلى كمال الحقيقة عن طريق البحث، إلا أنه سيتجه شطرها بحسب تنبيه الفطرة.

ثم قد يصل إذا سار سيرًا صحيحًا، كما وصل كثير من أهل الفكر الصحيح من فلاسفة وغيرهم، وقد يضل في بعض الطريق كما ضل الوثنيون والمشركون وأصحاب الأديان الخرافية .

الأمر الرابع: إن تدخل الوهم عند الخوف يفسد ولا يصلح، ويوقع في التهلكة، ولا يكون سببًا في تحقيق الأمن .

يلاحظ هذا في حالة المشي على عمود ممتد فوق جدارين مرتفعين بينهما هوة، أو على جسر ضيق جدًا، فمنطق العقل يسمح بالاجتياز المطمئن، لأنه يقرر أن الجسر لو كان قريبًا من الأرض لاجتازه السائر عليه، دون أن يخطر في باله احتمال السقوط، فهو يسرع في مشيه مطمئنًا آمنًا .

وفي حالة ارتفاعه يتدخل الوهم، فيشتد الخوف، فيسقط الماشي على العمود أو على الجسر فيهلك أو يصاب بأذى .

كذلك سائق السيارة، إذا خاف وتدخل الوهم في صناعة أفكاره بعيدًا عن منطق العقل.

إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة لا تحصى في الواقع الإنساني، يلاحظ فيها أن تدخل الوهم يدفع إلى التهلكة .

نعم. قد تكون الشجاعة أو الجرأة من عوامل الإقدام ضد مثبطات منطق العقل أحيانًا، لكن الأوهام تجلب فرط الجبن المثبط أكثر من منطق العقل. والشجاعة أمل ورغبة وشعور بالقوة الكافية، بخلاف الجبن، فهو وهم وشعور بالضعف، وغشاوة على منطق العقل .

الأمر الخامس: إن قصة المرأة صاحبة المصعد إن صحت كما ذكر «برجسون » ، فهي نادرة قد لا تتكرر في حياة الناس .

وعكس ما حصل لها هو الأمر الذي يتكرر كثيرًا، فكم من الناس سقطوا في بئر المصعد بمثل هذه الحادثة، ولم يظهر لهم هذا الحارس الوهمي، بل تحطموا وتهشموا وأصيبوا من جراء سقوطهم بإصابات خطيرة، وبعضهم أودت بحياته .

إن الحوادث الكثيرة التي تحدث لمعظم الناس عند المخاوف المفاجئة تقدم دليلاً لنقيض ما ذكر « برجسون » تمامًا .

ذلك لأن الإنسان عندئذ تتجه غريزته بسرعة، ومن دون وعي في العقل الظاهر إلا اتخاذ أسباب النجاة، ثم تأتي بعد ذلك صحوة الفكر للتعلق بالأسباب الحقيقية الكاملة التي تكون بها النجاة .

فمن أمثلة ذلك ما يلي:

1 -نكون نازلين على درج أو سلم، فننزل وفق خطة منتظمة، ثم قد نفاجأ بأن إحدى الدرجات مكسورة، أو مفقودة، ونشعر بالأمر حينما تهوي رجلنا أكثر من المسافة التي اعتدناها في نظام الدرجات .

عندئذ تندفع الغريزة فينا اندفاعًا غير واعٍ إلى التمسك بأي شيء في جوار أيدينا خشية السقوط .

وهذا حقًا من الفطر المسعفة التي تسبق الفكر الواعي، ولكن قد يكون الذي نمسك به خشية السقوط أشد خطرًا من السقوط نفسه .

ثم يصل الأمر إلى منطقة الفكر الواعي، فإن بقي من الوقت شيء يصلح للتدارك، أخذ العقل يفكر بأسباب صحيحة للحماية من الخطر .

2 -كذلك يحصل لدينا إذا هبت نارٌ مفاجئة فيها خطر علينا، أو داهم عدو بشكل مفاجئ، أو حدث أي حادث مخيف فيه خطر .

هذه أحداث تتكرر دائمًا في حياة الناس، وفيها دليل يثبت عكس ما ذهب إليه «برجسون » .

وباستطاعتنا أن نقول: على مثل هذه الحوادث قد تبرز ظاهرة الدين عند المخاوف العظمى التي تنقطع معها الأسباب الإنسانية، فهي تحدث تنبيهًا قويًا من قبل الفطرة النفسية، ثم يصحو العقل الواعي متجهًا شطر الجهة التي نبهت عليه الفطرة، أو هدت إليها. ثم يأخذ العقل باحثًا بمنطقه عن القوة الغيبية المهيمنة على الوجود، وفق مناهجه الاستدلالية .

على أن قضية الإيمان بالله عز وجل تتم في أوضاع نفسية هادئة مستقرة، وتنشأ نشوءًا متدرجًا، معتمدة على منطق العقل من خلال ملاحظاته لظواهر الكون وأحداث الحياة، ولا تتم في حالات نفسية مفاجئة إلا نادرًا .

الكاشف الثاني: ما دام ميدان الأعمال اليومية يوجد فيه فراغ نفسي عميق لا يملؤه إلا العقيدة الإلهية، كما اعترف بذلك « برجسون » فلماذا يكون اتجاه الفكر لقضية الإيمان بالله عملاً خياليًا، لخدمة حركة الحياة، دون مراعاة لمنطق الفكر الصحيح، وأدلته البرهانية كما زعم ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت