فهرس الكتاب

الصفحة 3180 من 27364

فالتوحيد الذي هو جوهر الذات الإسلامية، ينبغي أن يحياه المسلم في أبعاده الاجتماعية والنفسية والعلمية، فعلى المستوى النفسي يربط المسلم مصيره وأمله وتوجهاته وأهدافه بالله - عز وجل -، فيخلص التوجه إلى الله، ليحقق وحدته من التمزق، وعلى المستوى الاجتماعي تنتفي مظاهر الصراع والتناقض ويكون توجه المجتمع نحو التكامل والتآلف، فتحكمه مبادئ الاستخلاف والإعمار والتسخير والعبودية لله - عز وجل -، وعلى المستوى العلمي يتحقق لدى المسلم وحدة الحقيقة، وانسجام سنن الله في الكتاب وفي الأنفس والآفاق والتاريخ، فلا يحدث عنده تناقض بين الوحي والكون، ولا بين الوحي والعلم؛ لأن الوحي هدي صادق، والعلم توجه صادق بحثا عن الحقيقة.

لهذا، فإن الوعي بالذات الإسلامية يقتضي أن يحياها المسلم ويحقق بها غايات الحق من الخلق، كما كان الجيل الأول رضوان الله عليهم، إذ كانوا قرآنا يمشي، فالمسألة لا تتمثل في تلقين أو في إعادة تلقين المسلم عقيدته؛ ولكنها تتمثل في إعادة تلقينه استخدامها وفعاليتها في الحياة (6) .

ثم أن مواجهة أي غزو فكري تتطلب هذا الوعي بالذات، حتى يميز المسلم بين تفوق ذاته الإسلامية، وقصور مصدر هذا الغزو، وبالتالي تحقيق الحصانة من الغزو، والقضاء على عنصر القابلية للاستضعاف والغزو.

فقبل أن نواجه الغزو الفكري، لا بد من بناء شخصيتنا، وتحصين أنفسنا، لنصبح ممنوعين من تأثير الغزو، ليس عندنا قابلية له... وإذا تحصنا، لم يعد للغزو تأثير فينا.. ولهذا لا بد لنا إذا رغبنا ألا تؤثر فينا مخططات المتربصين، أن نبني شخصيتنا بحيث تكون مصبوغة بصبغة الإسلام، وموسومة بميسم الإيمان (7) .

والوعي بالذات الإسلامية يستتبعه ويرتبط به ويكمله الوعي بالخريطة الحضارية للمجتمع الإنساني الراهن الذي يتشكل من حضارات، وكل حضارة تعبر عن نموذج حياتي متميز عن غيره، وفهم الحضارة مقرون بوعي مذهبيتها ونظامها الفكري ومشروعها الاجتماعي ومنهجيتها المعرفية التطبيقية (8) .

كما أنه من الواضح أن الضمير الإنساني في هذا العصر لم يعد يتكون في إطار الوطن والإقليم، بل إن الضمير الإنساني إنما صار يتكون على ضوء الحوادث العالمية التي لا يستطيع أن يتخلص من تبعاتها، فإن مصير أي جماعة إنسانية يتحدد جزء منه خارج حدودها الجغرافية. فثقافة العالم أصبحت تتحدد أخلاقياً وتاريخياً داخل تخطيط عالمي (9) .

خاصة مع التطور الذي دفعت به الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتلاهما من تطورات وأحداث عالمية أحدثت تأثيراً في وعي الإنسان واهتماماته ولم يعد وعيه يتشكل بشكل انعزالي عن المؤثرات الخارجية، ومن هنا فالوعي بها، ووضعها في الحسبان يمكن من التفاعل الإيجابي معها. لذلك فإن المسلم نفسه ملزم بأن ينظر إلى الأشياء من زاويتها الإنسانية الرحبة، حتى يدرك دوره الخاص ودور ثقافته في هذا الإطار العالمي (10) .

ولم يعد من المستساغ علمياً وواقعياً الغفلة عن ما يجري من حولنا في القرية العالمية، وإلا فإن وعينا سيصيبه الضمور، ونجهل المعالم التي تتحرك على منحاها أحداث التاريخ، فالمستوى الشخصي للمسلم حتى ولو نما نمواً نسبياً، يمكن أن يبدو في حالة تضاؤل، بقدر ما ينمو تطور الآخرين بسرعة أكثر، والواقع أن الوعي الاجتماعي الذي كان يتكون منذ حين في دائرة محدودة أمام منظر محدد عموماً، بنطاق بلاد معينة هي الوطن، قد أصبح يتكون اليوم في إطار أكثر امتداداً بدرجة لا تضارع، وفي منظر أكثر انفساحاً.

فالوعي بالذات الإسلامية والوعي بخارطة الوجود الحضاري الإنساني يتشكل ويتطور وينضج باتساع دائرة الاهتمام التي يوليها كل منا عنايته، فبالنسبة لفرد من الجزائر ودوائر وعيه المتعاقبة من الجزائر إلى العالم العربي إلى العالم الإسلامي وصولاً إلى الدائرة الإنسانية، يمكن أن يتشكل وعيه حسب اتساع دوائر الاهتمام فبقدر ما يعي فيه الفرد المولود في الجزائر أو السعودية مثلاً دائرته ويتخطى إلى الوعي بمشاكل العالم العربي واتجاهاته وآماله، بقدر ما يكتمل وعيه ذاته وينمو مستواه الشخصي، وبقدر ما يتخطى دائرة داخلية إلى أخرى خارجية بقدر ما ينمو عالم أفكاره؛ وعندما يبلغ وعيه الاكتمال المتطابق مع الدائرة العالمية يكون مستواه الشخصي قد بلغ أقصى اكتماله، بحيث ينبث حضوره في سائر أجزاء المعمورة.

لهذا فالاهتمام بالآخرين يفرضه واجب ديني إسلامي لمعرفة مصير المسلمين في العالم وكيفية الحفاظ على وجودهم الديني والحضاري وبعث حضارتهم من جديد، ويفرضه المنطق الإنساني، وتحتمه التداخلات بين الشعوب والأمم في عصر العولمة، كما أن في حياة الشعوب التي تواجه في عصر العولمة مشكلات خاصة بكيانها، ومشكلات مشتركة، تعبير عن امتداد كيانها في عالم الآخرين، وتأثير العامل التكنولوجي الذي صاغ بالنسبة لكل شعب ضرورات من نوع خاص تفرض على حياته التزامات ومسؤوليات جديدة في نطاق أوسع من نطاقه التاريخي الجغرافي المعتاد (11) .

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) فريدة صادق زوزو، البعد المقاصدي في فقه عمر بن الخطاب وأثره في المذهب المالكي، رسالة ماجستير غير منشورة، ص13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت