فهرس الكتاب
فالدلالة المعنوية والرمزية لما يتم تشير إلى العجز؛ حيث إنه ليس بمقدورنا أن نغير أوضاعنا الداخلية بدون مساعدة من الخارج، كما يظل لهذا التدخل الخارجي من خلال التمويل الأجنبي آثار أخرى متعددة الجوانب تتلخص وتتمحور في خيط أساسي وهو انطلاق البرامج والسياسات الممولة من الخارج، وتأسيسها على مرجعية وأجندة غربية تربط التنمية والتحديث بالاقتراب من الثقافة والنموذج المادي العلماني الحداثي الغربي والمنظومة المعرفية السائلة للنظام العولمي.
كيف؟
ببساطة نجد أهم خصائص النموذج الغربي الخاص بالمرأة في المظاهر التالية للخطاب النسوي الصاعد:
-الوضعية الفلسفية (فصل الدين عن المجال العام برمته) ، تقديم المادي والاقتصادي والفرداني (ونقض المعنوي والقيمي والجمعي) .
-الاختزالية الجزئية (الاقتطاع من السياق العمراني الحضاري وعدم اعتبار المرأة ظاهرة اجتماعية إنسانية مركبة) .
-العولمة على المثال الغربي (بعيدًا عن خصائص البيئة والتقاليد الثقافية والاجتماعية) ... وهذه الخصائص يعبر عنها مضمون مفهومي الحرية والمساواة في تعريف التجربة الغربية.
فعلى سبيل المثال وليس الحصر يمكن تفكيك الخصائص السابقة في التعبيرات التالية التي يعرفها الخطاب العولمي عن المرأة:
-النظر إلى الدين كمعوق لنمو المرأة، فالحجاب بالضرورة تهميش وعزل.
-الفردية المطلقة والحرية الكاملة ورفض توصيف المرأة بنسبةً كونها أمًّا أو زوجةً أو أختًا أو ابنة.
-الحط من دور المرأة في الأسرة أو في"النشاط بدون مقابل مادي نقدي"؛ حيث أضحى العمل خارج المنزل وبأجر هو أساس تأكيد الاستقلالية وأساس المكانة؛ لأن الأبعاد المادية الاستهلاكية هي معيار الفاعلية والإنجاز، ذلك في ظل النسبية المفرطة تجاه القيم الأخلاقية والمعنوية، والوفاء بمسئولياتها عنف وانتهاك ومصادرة لـ"إنسانيتها"التي صارت أسطورة فردانية من غير المقبول مراجعتها.
-ومن ثم أيضًا وفي مقابل الاهتمام بالحلول القانونية لمشاكل المرأة، مثل حق الطلاق والخلع (مع اجتزائهما من الشريعة دون تطبيق أو تفعيل باقي النسق القيمي التي تنبني عليه) ، فلا تؤخذ في الاعتبار عواقب الأزمات العائلية التي تتنامى في ظل عمليات التحديث المتسارعة على تماسك المجتمع، بل وتنامي معدلات الانحراف والعنف المجتمعي، كما لا تؤخذ في الاعتبار المسئولية المجتمعية والأسرية المحيطة بعقود الزواج؛ حيث تزايدت الاتجاهات نحو العقود المدنية التي تعكس فقدان الثقة وتراجع الجانب العاطفي المعنوي والأسري أمام الجوانب المادية والطابع الثنائي الضيق.
-المعنى الشكلي لشعار المساواة في المجتمعات الفقيرة، فكيف يمكن أن تتحقق المساواة ومع مَنْ في ظل التخلف وتدهور مستوى الحياة؟
-وبالمثل فإن المشاركة السياسية محل الاهتمام ليست إلا مفهومًا ضيقًا محدودًا، يقصر المشاركة المطلوبة للمرأة على حق الترشيح والانتحاب وتولي المناصب العليا، في حين أن مجتمعاتنا تعاني من أزمة مشاركة سياسية ليست قاصرة على المرأة، ولكن يعاني منها الرجل أيضًا وبالأساس. هذا فضلا عن أن المشاركة يمكن أن تتخذ معنى أكثر اتساعًا يمتد إلى المشاركة في المجتمع المدني والمجال العام بكل مساحاته، وليس في النظام الرسمي فقط.
-ظهور مفاهيم وخطابات جديدة مراوغة ولزجة لم يكن يعرفها الخطاب العربي والإسلامي، مثل الحقوق الإنجابية، الثقافة الجنسية، يتم كشف مغزاها رويدًا رويدًا لتعني حرية الجنس والجسد، ليس فقط للمرأة داخل الأسرة بل للمرأة كفرد، بل للمراهقين أيضًا.
وفضلا عن التعبيرات السابقة للخطاب العلماني وحركته التي تحيط ببرامج التمويل الأجنبي، والتي تعكس خصائص نموذجه المعرفي والقيمي، فإن خبرة هذا القطاع من المجتمع المدني، إنما تقدم دلالات ذات أبعاد سياسية أيضًا، فتشير هذه الأبعاد إلى قدر التحيز وعدم الديمقراطية التي صارت عليها ممارسات المجتمع المدني، وذلك في نفس الوقت الذي من المفترض فيه أن يكون هذا المجتمع المدني من دعائم التحول الديمقراطي المأمول في مجتمعاتنا. بعبارة أخرى فإن التفاعلات حول قضية المرأة وما تظهره من استقطاب حاد بين الاتجاهات والقوى المتنوعة تمثل ساحة هامة لبيان قدر تأثير السياسة على تجربة المجتمع المدني والمفهوم المنقوص عن التحول الديمقراطي والمجتمع المدني؛ حيث يظهر جليا التحيز الذي تعاني منه بعض القوى والاتجاهات، وهو الأمر الذي يمثل في حد ذاته البوصلة التي يتحرك بموجبها التمويل الأجنبي: فلمن يذهب؟ وعمن يعرض ويتحول؟
من ناحية: في مقابل علو الصوت الراديكالي النسوي الذي يلقى المساندة من الحكومات ومن المؤسسات الدولية، يغيب خطاب إسلامي فاعل لانشغاله بالدفاع ضد ما يتعرض له من انتهاكات حقوق الإنسان ولانشغاله بالبحث عن مصادر التمويل اللازمة.