فهرس الكتاب
ومن ناحية أخرى: وفي حين يتدعم التحالف بين الرافد النسوي العلماني وبين الحكومات، يظل القطاع المدني من التيار الإسلامي محرومًا من الدعم نظرًا لربطه من قبل النظم الحاكمة بل وأجهزتها الأمنية مع المعارضة السياسية"المحجوبة عن الشرعية"والمتهمة بالعداء للغرب. فعلى سبيل المثال رفض صندوق مؤتمر بكين تمويل جمعيات إسلامية أرادت المشاركة في المؤتمر، ولم يتوافر لها الموارد التي توافرت للدوائر"النسوية"، وكلما تزايد الهجوم على الحركات الإسلامية وحظرها بصفة عامة قلت قدرة القطاع المدني من التيار الإسلامي على المشاركة. ومن ثم تظل الساحة مفتوحة أمام"النسويات"فقط اللاتي يتصدّرن المواقع، ويشاركن في المؤتمرات الدولية بلا منافس، باعتبارهن المدافعات بمفردهن عن حقوق المرأة في مواجهة"التيارات الظلامية"، ونظرًا لهجومهن الشديد على موقف الإسلاميين من المرأة تتم مكافأتهن بالمناصب السياسية وشبه الرسمية.
وفي المقابل، يتبلور ويتنامى -ولكن بهدوء وبعيدًا عن الأضواء والاهتمام- دور نشط لسيدات مسلمات نشطن على صعيد العمل الأهلي في مجال دعم المرأة وفقًا لمنظور حضاري إسلامي، هو دور لا يرى الحجاب رمزًا للضغط أو القهر أو العزلة أو التهميش، ولكن يمثل وسيلة للتمكين ولحرية الحركة ولتوسيع دائرة النشاط؛ لأن الإسلام في نظرهن إنما يؤكد تحرير المرأة وفعاليتها، كما أن الإسلام بأحكامه وقيمه وسننه وخبرات تاريخه إنما يقدم لهن نموذجًا معرفيًا وإطارًا مرجعيًا ينطلقن منه ويتبنين وفقًا له منظورا حضاريا إسلاميا.
وتتلخص أسس هذا المنظور فيما يلي:
الوعي بالمرجعية الإسلامية وخصوصيتها من حيث الثابت ومن حيث المتغير.
الهوية، والوعي بالذات المرتبط بالأمة دون انفصال عنها.
الانفتاح على التفاعل مع الخصوصيات الأخرى دون الاستلاب أو التبعية من ناحية وفي ظل استمرار التواصل مع التراث دون تقليد أعمى أو جمود أو ضغوط.
الجماعية كإطار لتوظيف الإبداعات الفردية والذاتية دون إفراط في الحرية الفردية ودون انسحاق في الجماعة.
الوسطية بين الإنتاجية المادية وبين القيمة المعنوية الأخلاقية.
وعلى ضوء هذه الخصائص للأصوات الإسلامية النسائية الصاعدة يمكننا:
أولا: أن نستقرئ 4 مستويات مترابطة وفق منظومة من القيم تعرف وتحدد وضع المرأة ككيان إنساني واجتماعي في علاقة حميمة مع: الأمة والمجتمع والأسرة ومع الآخر، تنفي هذه العلاقة المفهومَ التجزيئي الانسلاخي عند تشخيص مشاكل المرأة وتحديد سبل العلاج.
ثانيًا: تعكس هذه الخصائص وتستبطن قيم العدل، والحق المقترن بالواجب، أكثر مما تستبطن مفهومي الحرية والمساواة.
ثالثًا: تقود هذه الخصائص إلى مقاصد الشريعة النابعة من الإطار المرجعي التوحيدي.
رابعًا: يتبلور كل ما سبق في الرؤية الإسلامية التجديدية عن الحجاب، التعليم، المشاركة السياسية، العمل المهني، الأحوال الشخصية، الحرية الشخصية. ففضلا عن الجدال بين المنظور النسوي العلماني والمنظور الإسلامي حول هذه القضايا، وهو الجدال الذي يعكس اختلاف الأطر المرجعية ومنظومة القيم، فإن روافد التيار الإسلامي لا تتطابق في اجتهاداتها حول وضع المرأة. وهو الأمر الذي يستغله التيار العلماني ليضيفه إلى هجومه على مواقف الإسلاميين من المرأة رغم انقسامه هو ذاته بين مدارس أيدلوجية وأجنحة شتى متنازعة ومتنافسة.
إن الجمعيات أو المراكز التي تحمل بذور وثمرات فكر هذا المنظور الحضاري الإسلامي تقوم بدورها على ساحة المرأة دون تمويل أجنبي من المؤسسات الدولية، ودون دعم أو مساندة رسمية وطنية تداني ما تلقاه نظائرها"العلمانية"، ودون أن تقدر على التأثير إلا بصعوبة شديدة، وفي أضيق الحدود (كما حاولت في مؤتمرات القاهرة وبكين وبكين+5) ، ودون أن تقدر على الائتلاف والتجمع خوفًا من الاتهامات السياسية، ودون أن تتوافر لها الخطط والكوادر والموارد اللازمة لتفعيل دورها، ودون أن تسلط عليها الأضواء الإعلامية.
من نماذج الريادة للمرأة المسلمة: د. زهيرة عابدين
في مايو 2002 فقد أطباء مصر أمهم الفخرية: أ.د. زهيرة عابدين أم الأطباء والرائدة في مجال العمل الطبي الأهلي والخيري التطوعي في مصر والعالم العربي والإسلامي.
-كانت العالمة المتخصصة البارزة"ذات الحجاب"منذ وقت مبكر لم يكن قد شاع فيه الحجاب بعدُ كما حدث منذ الثمانينيات.
-كانت العالمة التي امتد علمها إلى نطاق عملها الأهلي التطوعي، فحققت الجمع بين قيمتين عظيمتين: العمل الأكاديمي والعمل الأهلي.
-كانت المصرية الوطنية الصادقة دون أن تفقد الصلة مع الأمة، فلقد كان همُّ المسلمين في كل مكان شاغلها الأساسي، بقدر ما كان يشغلها همُّ المصريين.
-كانت المحافظة على تقاليد ثقافتها بقدر انفتاحها على أرجاء العالم، حيث ذهبت هنا وهناك مكرمّة أحيانًا، وخادمة للهدف الإنساني أحيانًا كثيرة.
-كانت الأمَّ لأبنائها وبناتها.. وكانت الأم والمقصد لكل الساعين لتجميع الجهود في مجال العمل الإسلامي المتنوع.