قال ابن القيم رحمه الله في قصيدته الميمية:
فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم [11] .
وقال أبو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأولِ
كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزلِ
وكان على بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: (إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ،ولكل منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل ) .
وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: ( إن الدنيا ليست بدار قراركم كتب الله عليها الفناء وكتب الله على أهلها منها الظعن، فكم من عامر موثق عن قليل يخرب وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن فأحسنوا رحمكم الله منها الُرحلة بأحسن ما بحضرتكم من الُنقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولا وطنا: فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غربة همه التزود للرجوع إلى وطنه الأول) .
أو يكون كأنه مسافر غير مقيم البتة بل هو ليله ونهاره يسير إلى بلد الإقامة، فلهذا وصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين ) [12] .
ولهذا كان المؤمن غريبا في هذه الدار أينما حل منها فهو في دار غربة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) ) [13] .
واعلم - أيها المؤمن - أن هذه الغربة سرعان ما تنقضي وتصير إلى وطنك ومنزلك الأول.
وإنما الغربة التي لا يرجى انقطاعها هي الغربة في دار الهوان.
حينما يسحب المرء على وجهه إلى جهنم - والعياذ بالله - فيكون بذلك قد فارق وطنه الذي كان قد هيئ وأُعد له ، وأُمر بالتجهيز إليه والقدوم عليه، فأبى إلا الاغترار عنه ومفارقته له، فتلك غربة لا يرجى إيابها، ولا يجبر مصابها .
فأعظم حنين ينبغي أن يكون إلى وطننا الأول سكن الأبوين، ودار الخلد والنعيم.
قال الرسول- صلى الله عليه وسلم: (( إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة ) ) [14] .
وقال الرسول- صلى الله عليه وسلم - واصفا الجنة: (( لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران ، من يدخلها ينعم لا يبأس ، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه ) ) [15] .
وفي الصحيحين: أن الرسو صلى الله عليه وسلم قال: (( أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك ) ) [16] .
وفي الصحيحين أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال: (( في الجنة خيمةٌ من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن ) ) [17] .
وفي الصحيحين قال رسول- صلى الله عليه وسلم: (( إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ) ) [18] .
وعند الترمذي - في باب صفة الجنة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال الرسول- صلى الله عليه وسلم: (( ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب ) ).
وعند أحمد في مسنده قال رجل: يا رسول الله ما طوبى ؟ قال: (( شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ) ).
وقال رسول- صلى الله عليه وسلم - قال: (( ألا مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأُ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد ، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقامٍ أبداً ، في دارٍ سليمةٍ، وفاكهةٍ وخضرةٍ وحبرة ونعمةٍ، في محلة عاليةٍ بهية ) ) [19]
عباد الله: يقول ربنا - تبارك وتعالى - واصفاً لنا حقيقة الدنيا وحقارتها ودناءتها: حتى نستعد لها ونتأهب لدار القرار - جعلنا الله وإياكم وسائر المسلمين من أهلها - اللهم آمين .
(( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) ) (الأنعام: 32) .
وقال تعالى: (( إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ) ) (محمد: 36) .
وقال سبحانه وتعالى: (( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) ) (الحديد: 2) .
وعند البخاري أن الرسول- صلى الله عليه وسلم - قال: (( موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ) ) [20] .
فحي على جنات عدن فإنها *** منازلنا الأولى وفيها المخيم
وحي على روضاتها وخيامها *** وحي على عيش بها ليس يسأم
أيا ساهيا في غمرة الجهل والهوى*** صريع الأماني عما قليل ستندم