ونلاحظ أن العلمانيين يأبون الإقرار بالتحرك الديمقراطي للإسلاميين، مدركين أنهم سيخسرون ساحة واسعة من معركة مفتعلة، ويفقدون المبرر الوحيد لشحذ القوى على الإسلاميين، والدفع بالسلطات لقمعهم.. فصراع العلمانيين مع الإسلاميين لا ينبع من كون الإسلاميين غير ديمقراطيين، فالعلمانيون أنفسهم كانوا إلى الأمس القريب من مناضلي الحكم الشمولي، لكن لأن الإسلاميين مستسلمون لله، يعملون في إطار وحيه، ويركعون لذاته العالية.
ثانياً: تصور ينطلق من رؤية متقدمة ومستوعبة لتطور الفكر السياسي الإنساني، ويجمع في دائرته الكثير من أتباع المذاهب والأفكار المختلفة، وأصحاب هذا الاتجاه يقولون في فهم وتفسير هذه المفردة: إن الديمقراطية آليات إجرائية وليست عقيدة، بإمكان أصحاب الديانات والرؤى المتباينة تبنّيها، فهي لم تعد غصناً للجذر العلماني، وإنما أصبحت ثروة إنسانية، ومفصلاً فكرياً مهماً في التراث الإنساني.
منهج أم عقيدة؟: وقد سيطر هذا الاتجاه على الأدبيات التي تتحدث عن هذا المصطلح في العقود الأخيرة.
ويقول الباحث علي خليفة الكواري: إن الديمقراطية منهج وليست عقيدة، وهي ممارسات دستورية.
ويقول جان ريفيه: إنها عملية وليست برنامجاً، وهي لا تدَّعي أنها تقدم حلولاً.
ويوضح هنتنجتون أنها: آليات لإقامة المؤسسات الحاكمة ومحاسبتها.
وفي معرض الرد على الاتجاه الأول الذي يرى استحالة الفصل بين الديمقراطية ومرجعيتها الغربية، يمكن سرد الأدلة الآتية:
أولاً: ذهب جمهور المفكرين والفلاسفة صوب فك الارتباط بين المرجعية الحضارية للديمقراطية وآلياتها الإجرائية، ولم يشذ عنه إلا من يستعمل ذلك التوجه كسلاح لإقصاء الآخر، كون ممارساتهم الشخصية استبدادية، بمعنى أنهم مولعون بالوقيعة بين الأحزاب والجماعات المخالفة لهم في الفكر والتصورات وبين السلطات، وسهامهم أكثرها موجه إلى الإسلاميين بصورة خاصة.
ثانياً: إن الكثير من العلمانيين، حكومات وأحزاباً، أثبتت التجربة أن الممارسة السياسية لديهم استبدادية، وأن جل همهم رفض وقمع الآخر المخالف في الفكر والدين، والعلمانيون الشرقيون إن لم يكن جلهم فأغلبهم هكذا، فإذا اتخذنا الحكومة التركية مثلاً، نجد أن هذه الحكومة استعملت فوهات المدافع صوب الصناديق التي رشَّحت الحركة الإسلامية عبر التأريخ، ولمرات عديدة، وحتى الآن تمّ تجميد ما يقرب من أربعين حزباً، وسحب رخصة العمل منها.
نفس الحال أو شيء قريب منه، نجده في ممارسات حكومات بعض الدول العربية والإسلامية التي تتبنى النهج العلماني، فهي لا تقبل بوجود تعددية إذا كان الإسلاميون طرفاً فيها، بل هناك أحزاب علمانية لم تصل إلى السلطة بعد تدعو الى منع قيام أحزاب إسلامية، وعدم إعطاء الشرعية القانونية والمظلة الدستورية لها، فكيف إذا وصلوا للسلطة؟.
ثالثاً: توجد في الغرب أحزاب دينية لها هياكل ومؤسسات ديمقراطية واضحة من القمة إلى القاعدة في داخلها، وفي ممارسة السلطة خارج إطارها، فهناك الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني، الذي وصل إلى هرم الحكم، و هناك الحزب المسيحي الديمقراطي الإيطالي، بل هناك حزب"شاس"وهو حزب تلمودي متطرف في الكيان الصهيوني، فلو كان صحيحاً القول: إن المرجعية الدينية لا تتحمل الديمقراطية، لما كان لهذه الأحزاب وجود، لكنها موجودة، وبالتالي، فإن بإمكان السياسي المتدين أن يكون ديمقراطياً. ومن هنا اختار بعض الأحزاب الإسلامية الأسلوب الديمقراطي كطريق لممارسة العمل السياسي، باعتبار أنّ الديمقراطية لا تشكل إطاراً عقائدياً، بل هي آليات محايدة لا دين لها ولا مذهب، وفي وسع أصحاب مختلف الأديان والمذاهب أن يتبنوها وينبذوا سياسات القمع والإقصاء من خلالها.