لقد كانت النتيجة لهذه النظرة القديمة للسياسة إخلاء هذا المركز الحساس للأمة من قوى تحمل الهاجس الإسلامي، مما أدى إلى تمكين قوى الجهل السياسي من إحكام قبضة فهمها لمجريات الأمور وكيفية إدارة الدولة وفق عقيدتها التي لا يخفى على إنسان مواردها .
فأتيح للآخر الغريب عنا وضمن نطاق هذه الرؤية القاصرة أن يستولي على مقاليد الفهم السياسي وأن ينصب أدوات فهمه كمعيار ترتكز على يديه أي محاولة لدخول هذا المعترك الذي رغم منجزات الحضارة الإسلامية وتطورها في مراحل سابقة إلا أن فكرها السياسي ومفكريها ظلوا بأقل من درجة التأثير لصياغة هذا النمط من المعرفة السياسية المتراكمة والتي تسمح باجتياز الأنفاق التي مرت بها الأمة منذ قرون بفعل هذ الاقتتال الداخلي على السلطة السياسية على الرغم من أن الإسلام كان حكمه حاسما في اعتبار واجب المشاركة واجبا شرعيا وخاصة في مبدأ التناصح الذي يعني الرقابة على سلوك وأداء أي حكومة إسلامية وتقويم انحرافاتها، كذلك بسطه لقاعدة العمل الجماعي من خلال مفهوم الشورى الإسلامي إضافة إلى كون السياسة مشاركة لجموع الأمة في النهضة المرجوة كما أكد فلاسفة اليونان على هذا الأمر حين اعتبروا أن السياسة جزء من واجب المواطن الصالح والكامل ، ومن هنا يتكامل الأداء الحضاري في كل جوانبه وتتفاعل المعطيات البشرية الفردية وتندمج مجتمعيا لتؤسس حضارة فاعلة قادرة على البناء وإثراء الآخرين والاستفادة منهم مستلة سيف الحق من نور الإسلام الوسطي .
من هنا بدأت كثير من الحركات الاسلامية محاولة الخوض في المعترك السياسي ورغم أنها قبلت وجود الآخر الوافد إلا أن تلك الحركات ظلت تواجه الرفض من كثير من الحكومات العربية .
وإزاء هذا الركام من الشك الذي يصيب السياسي العربي تجاه هذه المشاركة ، والريبة الكبيرة من نوعية هذا الطرح ؛ من المنطقية العلمية أن نحاول كمسلمين أن نساهم في تفكيك هذا الشك وحالات التوجس السياسي عبر نثر مفردات هذا النص السياسي العربي وإذابة كل تضاريسه ومعرفة أين يكمن الخلل وهذا بدوره ينعكس على اللقاء السياسي الإسلامي بمجموعه فقد قدر للعرب أن يكون لهم قصب السبق عندما تزداد لحظات وعيهم الإسلامي فقط!
وبنظرة مجهرية لهذا النص السياسي العربي الذي هو بمجمله نص يتوائم مع حالات شاذة تضطرب فيها عرى الأمن وتتقوض وبالتالي تفرض هذا النمط الشاذ من الرؤيا والبناء الذاتي لهيكلة هذا النوع من القرار الذي يؤثر في كيان أمة بأسرها لابشخص بعينه ! إن هذا النص السياسي محمل بماض مثقل بالنزاعات والستغراق في الذاتية بحيتث تنقلب أفكار أمة وتوجهاتها لمجرد أن موقعاً سياسيا قد ارتضى تلك الأيديولوجية أو ذلك النمط من الحياة ، وتتم في سني الإطاحة بكل منجزات القرون الماضية وهكذا تأتى كل حالة سياسية لتفرض نصها وبرنامجها الخاص لتعممه على مجموع الأمة دون الأخذ في الاعتبار رأي الدين في مشاريعها ومدى توافقها معه.
لقد سهلت هذه النوعية من القرارات في مقابل غياب الرقابة فتح المجال لظاهرة الاستيراد السياسي لأيديولوجيات لاتنتمي للأمة ثبت فشلها ولامجال لمناقشة ذلك
لعل المتابع لطبيعة النص السياسي العربي تاريخياً يلحظ سمات مميزة؛ فهو نص فرضي أريد له أن يقدم قائمة بعباراته وملامح نموذجه في مجتمعات لاتنتمي له؛ فاضطر إلى بذر بذور الكسر ، واستخدام مصطلحات الإجبار. هذا النص وهذه الفلسفة"الهوبزية"المستخدمة منذ قرون لا تتيح تشكيل مجتمع إسلامي مبدع واعٍ متفتح ، فشعور المرء بإنسانيته هو ما يمنحه القدرة على التميز وبالتالي ينسحب هذا التميز على شكل الأمة ، على عكس الفلسفة"الهوبزية"المتسلطة التي تخرج أنماطاً من البشر ذات سلوك -على أحسن الأحوال- غير فعال وعلى أسوأ الأحوال متمردة على سلطة القرار المفروض . هذا النوع من القرار نجده قد استفرغ كل شخصيته السلطوية في مؤسساتنا العربية فتحولت كل منظمة- رسمية كانت أو غير رسمية-إلى حقل تجارب لهذا النمط من صناعة القرار، وكذا تناثرت أشلاؤه على بنيان المجتمعات حتى وصلت إلى البوابة الأولى للمجتمع المسلم وللأسرة التي غدت -الا فيما ندر-قهرية وسلطوية على رقاب أبنائها يفكر الآباء عنهم خيارات حياتهم، ويقررون عنهم تفاصيل آمالهم دون أن يتاح لهم فرص التعود على نمط الشورى في المجتمع عبر إتاحة نافدة لشورى الأسرة المسلمة! كل ذلك شكل في المحصلة جيلا تواقاً للانعتاق من هذه المتوالية القمعية التي تخنقهم في دوائر متشابكة لا يفصلها فاصل .