بدا انعتاق الإعلام العربي من قمقمه حالة مثيرة للانتباه، ليس على مستوى المنطقة وحدها؛ بل على مستوى العالم أيضاً، إنهم العرب هذه المرة الذين نجحوا رغم كل ما يمكن أن يُساق من ملاحظات وانتقادات في أن يشكلوا حالة إعلامية تنتمي إلى العالم الثالث لكنها قادرة على المنافسة - الجزئية - مع الأقطاب الإعلامية الذين ينتمون حصراً إلى العالم الأول الغربي.
وربما كانت"لجنة ماكبرايد"التي شكلتها اليونسكو في النصف الثاني من سبعينيات القرن المنصرم ستشير إلى هذا التحول - المفارقة - في تقريرها الموسع عن مشكلات الاتصال والاختلال الإخباري في العالم؛ لو أمكن لها أن تحدِّث نتائجها اليوم.
فقد أكدت اللجنة في حينه النتيجة المعلومة سلفاً: الأقلية المتنفذة القابعة في الشمال تنتج كل المعلومات الإعلامية تقريباً، والأكثرية البائسة في الجنوب النامي والفقير تكتفي بالاستهلاك؛ وخمس وكالات أنباء غربية تدير السوق الإخباري الدولي برمته على أسس مجحفة ومختلة؛ وغير ذلك من الحقائق التي يدركها المعنيون.
لكن الأمور لا تبقى على حالها في عالم المتغيرات المتسارعة، فرغم ما بذله القطب الأوحد - الولايات المتحدة - من محاولات لتحقيق حضور إعلامي أكثر فاعلية له في المنطقة؛ جاءت المنعطفات ذاتها التي صنعتها إدارة جورج بوش على المسرح الدولي لتحمل الإعلام الذي ينتمي إلى العالم العربي إلى مسرح المنافسة الدولية، تجلى ذلك في تغطية حرب أفغانستان في خريف سنة 2001، ثم في الصراع المحموم على كعكة إعلام الحرب الأخيرة على العراق بمفارقاتها وضحاياها، ما أثار المراقبين في حينه أنّ الولايات المتحدة وحليفاتها كانت قد استعدت جيداً لحرب إعلامية موازية للضربات العسكرية، فتم في طيات ذلك حشد جيش الصحافيين المزروعين على ظهور الدبابات لينقلوا رواية من جانب واحد فقط من الجبهة، في سابقة لم يشهد لها تاريخ المهنة الصحافية مثالاً، والمعادلة اتضحت للكثيرين الذين رأوا"جنديين"على ظهر دبابة واحدة، أحدهما يحمل قاذفة قنابل وثانيهما يحمل كاميرا.
إلاّ أنّ هذا كله بما في ذلك مجزرة الصحافة في بغداد عشية السقوط الكبير؛ لم يفلح في كسب الغزاة للجولة الإعلامية، فحققت وسائل إعلام عربية حضوراً متعاظماً على المسرح الدولي في طيات حرب العراق.
وإذا كان لهذه القفزة الإعلامية العربية أسبابها المفهومة، فإنّ الأمر يتعلق - في جانب منه - زيادة على ذلك بإعلام حروب وأزمات عالمية هي في الأصل متركزة في المنطقة ومستوطنة فيها، وطالما أنّ أهل مكة أدرى بشعابها، وأنّ الممارسة المهنية حاضرة، وأنّ التغطية المالية والإرادة السياسية يمكن العثور عليهما محلياً أيضاً؛ فإنّ النجاح على هذا النحو بات ممكناً، لكنّ المثير هو ما تمكنت منه هذه القفزة العربية من اختراق حالة احتكار أسطوري، كان قد ساهم الجنوب ذاته في استدامتها على هذا النحو لصالح الشمال.
بالمقابل كانت إدارة بوش التي تقف خلف"الحرّة"؛ هي أكثر من أبدى انزعاجه في السنوات الأخيرة من سقف الحرية"المرتفع"لفضائيات عربية استُهدفت بالاسم، دون أن تتطرق للفضائيات العربية الرسمية بسقوفها المعروفة، وهذه مفارقة إضافية.
وفي أتون الحملة متعددة الأوجه ضد الفضائيات الإخبارية العربية، وبخاصة"الجزيرة"و"العربية"و"المنار"و"أبو ظبي"؛ تأتي مبادرات أمريكية رسمية من قبيل إطلاق"الحرّة".
إسرائيل في الملعب:
إلاّ أنّ ذلك لا يبتعد بنا عما حاوله آرائيل شارون، عندما سعى جاهداً إلى تسويق سياسات الدولة العبرية، وتجميل احتلالها ومجازرها للرأي العام العربي، بطرحه على مجلس وزرائه مقترحاً من بنات أفكاره يقضي إنشاء محطة تلفزية فضائية ناطقة بالعربية، على أمل أن تعيد أمجاد إذاعة"صوت إسرائيل من أورشليم القدس"الموجهة للعالم العربي، لكن سرعان ما أيقن شارون ذاته أنّ قوانين اللعبة قد تغيّرت، فتخلت حكومته الغارقة في إحباطاتها عن الفكرة التي لم تتمكن من شغل أي مساحة اهتمام لدى العرب، لتبيت على إحباط آخر.
حالة فضائية شارون لن تكون استثناء من الدرس وعظاته: فكل من يحاول أن يسوِّق للعرب إعلاماً براقاً وخلاباً لن يكون بوسعه أن يستقطب الاهتمام الذي يأمله؛ طالما أطلّ عليهم بمواد إعلامية تترجم أولويات الأجندة السياسية لمشروعات الاحتلال والهيمنة، وتجمِّل برامج الانتقاص من الاستقلال والسيادة والهوية بشتى نسخها وتفريعاتها، وبهذا يمكن التأكيد بأنّ الضخ المالي السخي، واستنفاذ تقنيات الإثارة الإعلامية؛ لن يجديا نفعاً في الإقناع والتأثير الأمثل، مع انتفاء عامل المصداقية.