فكان مشتهراً في الزمن الأول أن كل من قدم عقله على النص فهو حروري ، لذا لما ردت عليها عائشة لم تبطل عقلها ولكن قيدته بقيود النص فقالت فكنا ( نؤمر ، ولا نؤمر أو فلا يأمرنا ) فهذه ألفاظ شرعية ينبغي إلغاء الاعتراضات العقلية عندها لأنها تفيد الوجوب والتحريم ، إن ما أمر به النص يقدم حتى ولو كان العقل لا يدرك الحكمة من ذلك ، وهذا قول علي رضي الله عنه حينما قال ( لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلاه ، ولكني رأيت رسول ا صلى الله عليه وسلم يمسح أعلى الخف ) هذا هو هدي المهتدين حينما يوقفون إعمال عقولهم مع وجود النص ، فإذا وجد النص الثابت فلا مجال للعقل في قبوله ورده أو تحريفه أو تمييعه ، فعلي يثبت هنا أن العقل يقول بخلاف النص ولكن لا عبرة بخلاف العقل إذا وجد النص .
والحرورية أيضاً لما خرجوا على علي رضي الله عنه أرسل لهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يناظرهم ، فكانت حججهم مرتكزة على أقيسة عقلية فاسدة ، هي التي جرتهم إلى البدعة والخروج ، فأول حججهم في تكفير علي رضي الله عنه والخروج عليه أنه حكم الرجال وترك تحكيم كتاب الله !! ، فكان رد ابن عباس عليهم من القرآن فقط أي أرجعهم للنص الذي يحكم العقل فقال لهم ، الله حكم الرجال في خصام الزوجين بقوله (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) وصير حكمه إلى الرجال في ربع درهم ثمن أرنب في جزاء الصيد بقوله ( ياأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ) فهذه بالنسبة لهم حجة دامغة وكأنما إفاقة من سبات ، رغم أنهم قوم يحقر الصحابة صومهم وصلاتهم وتلاوتهم عند صومهم وصلاتهم وتلاوتهم إلا أنهم قوم لا يفقهون ، فكم مرة تلوا هذه الآيات وكم مرة أبصروها في مصاحفهم ولكن بسبب إعمال عقولهم على النصوص لم تكن مثل هذه الآيات تردهم عن غيهم ، فلما استحلفهم ابن عباس هل تعلمون حكم الرجال في إصلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل ، أم في أرنب وبضع امرأة ؟ قالوا بل هذه ، فقال هل خرجت من هذه قالوا نعم ، أي اقتنعوا لما أرجعهم ابن عباس إلى النص وأبطل مفعول عقولهم الذي طغى على النص ، فبالنص جعل العقل يشهد للنص .
وحجتهم العقلية الثانية التي خرجوا بها على المسلمين واستباحوا دمائهم:
قولهم إن أمير المؤمنين قاتل وقتل ولم يسب ولم يغنم فإن كانوا مؤمنين فلم حل لنا قتالهم وقتلهم ولم يحل لنا سبيهم ؟ وهذا مجرد قياس عقلي فاسد لأنهم ظنوا بعقولهم تلازم القتال مع التكفير فكل من يقاتله الإمام فهو كافر ، فما كان من حبر الأمة إلا أن يردهم إلى النص كعادته ، فقال وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم أفتسبون أمكم عائشة رضي الله تعالى عنها ؟ فوالله لئن قلتم ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام ، ووالله لئن قلتم لنسبينها ونستحل منها ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الإسلام ، فأنتم بين ضلالتين لأن الله عز وجل قال ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ) ، فكان إلزام ابن عباس لهم بالنص أمراً محيراً حقاً ليس لهم معه إلا أن يعلنوا عن بطلان مفعول عقولهم ، فلما قال لهم أخرجت من هذه - أي في رد الشبهة واقتنعتم - قالوا نعم .
أما الشبة العقلية الثالثة:
فقولهم عن علي رضي الله عنه أنه محا عن نفسه أمير المؤمنين فإنه إن لم يكن أمير المؤمنين فإنه لأمير الكافرين ، وعجباً لهذا القياس السقيم عندهم فعقولهم تفرض أمرين لا ثالث لهما ، بتفسير قضية فرعية واحدة جعلتها عقولهم من الأصول التي لا يجوز الخلاف فيها ، فهذه العقول تستعظم ما كان دقيقاً وفي نفس الوقت تستحقر ما كان عظيماً ، فهذه العقول التي استعظمت محو علي رضي الله عنه لكلمة أمير المؤمنين ، هي نفس العقول التي استباحت دماء المسلمين وبقرت بطون الحوامل في الطرقات ، فما أعظم الضلال حينما تصبح العقول هي مدار التكليف ، ولكن حينما أوردوا على ابن عباس ترجمان القرآن هذه الحجة بأن علياً محا نفسه .. ماذا رد عليهم ؟ لا شك أنه سيعيدهم إلى النص مرة أخرى ، ولكن هذه المرة نص مختلف ليس نصاً قرآنياً بل إنه نص نبوي صحيح تعبدنا الله به ، وهو لا يقل أهمية عن نصوص القرآن من حيث التكليف ، وقال عنه الرسو صلى الله عليه وسلم ( أوتيت القرآن ومثله معه ) فهو المصدر الثاني للتشريع ، ومن أنكره فقد كفر ، ولا يلزم أن يكون الإنكار صريحاً بل يكفي بأن يلمح لعدم فائدة الحديث في التشريع فيكفر ، وهذا النص النبوي رد به ابن عباس على هؤلاء الحرورية ليبطل شبهتهم العقلية الفاسدة فقال لهم إن النبي لما صالح قريشاً قال لعلي اكتب ( هذا ما صالح عليه محمد رسول الله ) فقال المشركون لو نعلم أنك رسول الله لما قاتلناك ، فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم ( اللهم إنك تعلم أني رسول الله امح يا علي واكتب هذا ماصطلح عليه محمد بن عبد الله ) ، فقال ابن عباس لهم: فوالله لرسول الله خير من علي وقد محا نفسه .