فهرس الكتاب

الصفحة 14915 من 27364

وبهذه النصوص الواضحة الصريحة يكون ابن عباس رضي الله عنه عالج أمراضهم التي كان سببها أنهم قدموا عقولهم على النصوص فضلوا ، ولما أعادهم وذكرهم بالنصوص ثابوا إلى رشدهم فرجع منهم بعد المناظرة ألفان ، وخرج الباقي فقتلهم علي رضي الله عنه .

وكذلك لما كفروا المسلمين بالكبائر قاسوا بعقولهم أن كل عقوبة من الله تقتضي النار يلزم منها أن كل محكوم له بالنار فهو كافر ، أنظر لهذا التوجيه العقلي للمسائل ، فعقولهم الفاسدة لا تعرف إلا التلازم ، فكما حكموا على علي بالكفر بلازم الأفعال ، كذلك حكموا بكفر مرتكب الكبيرة المتوعد بالنار أنه كافر مخلد لأن النار لا يدخلها إلا كافر ، فالصحابة ومن بعدهم من أهل السنة لم يكونوا يوجهون المسائل أو يصدرون الأحكام وخاصة ما يتعلق بحكم الآخرة إلا بمستند شرعي قطعي الثبوت والدلالة ، أما الحرورية فعقولهم قطعية الثبوت والدلالة وهي كافية عندهم لفهم الشريعة بغير نصوص ، وكافية أيضاً لإصدار الأحكام وعبادة الله من منطلق عقلي مجرد وهذا والله إنه لعين الضلال .

ولما أوردوا هذه الشبهة - أي خلود العصاة في النار - على جابر رضي الله عنه ، رد عليهم كما رد عليه ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين ، أي رد عليهم بالنص فقط ، قد روى مسلم عن يزيد الفقير قال كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس قال فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم جالس إلى سارية عن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال فإذا هو قد ذكر الجهنميين - أي بأنهم يخرجون من النار إلى الجنة إذا نالوا جزاءهم - فأنكر عليه يزيد هذا القول ، وزعم أنهم يخلدون فيها ، ولكن جابرا رد عليه بنص سمعه من الرسو صلى الله عليه وسلم أذهب الله بهذا النص حيرة هؤلاء الخوارج فقال ( ... أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها قال يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم قال فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس ) فرجعنا - أي الخوارج - قلنا ويحكم أترون الشيخ يكذب على رسول ا صلى الله عليه وسلم فرجعنا فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد أو كما قال أبو نعيم .

وبهذا يتضح جلياً من أحق الناس باسم ( الحرورية ) في هذا العصر ، أهم علماء السنة الذين لم يخرجوا عن النصوص قيد أنملة ؟ ولم يعتدوا بعقولهم ليتخذوها أدلة وهادية ؟ إن كان علماء العقيدة ( حرورية ) لأنهم كفروا من نص الله ورسول صلى الله عليه وسلم على كفره ، فإذن مذهب أهل السنة وسلفهم من الصحابة ( حروري ) !! وهذا وربي هو البهتان العظيم ، إن هؤلاء الذين اتخذوا عقولهم مدار التكليف والهدى فقبلوا من النصوص ما وافقهم وردوا وأولوا ما لم تقبله عقولهم أو تدركه ، إن هؤلاء هم أحق الناس باسم ( الحرورية ) لوجود قاسم مشترك بينهم وبين الفرقة الأولى ، وهو اتخاذ العقل دليلاً فوق النص ، ومن أوضح القياس قياس الشبه ، وكيف يقاس شيء بآخر لا يشبهه لا في علة ولا حكم ولا حكمة ، إنما الحق أن يقاس الشيء بما يشبهه فعندما نقول ( الحرورية ) هم الذين حاكموا النصوص إلى عقولهم الفاسدة ، نقول كذلك كل من حاكم النص إلى عقله فرد النصوص أو حرفها إلى معنى بعيد ساقط ، فهو من ( الحرورية حقاً ) .

فقلي بربك من توقف في حديث ( أبي وأباك في النار ) وهو عند مسلم ، ومن رد حكم الردة عن المرتد الذي لا يدعو إلى الردة بسبب عقلي فاسد ، أهو إلى الحرورية أقرب أم إلى أهل السنة إذا كان هذا منهجه ؟ ومن قال إن أبا هريرة يروي أحاديث يأبها الذوق السليم لما فيها من قذارة ويقصد حديث الذبابة ، فهل هذا منهجه سني أم حروري عندما حكم ذوقه في النص ؟ من قال إن أدسون ( مخترع المصباح ) يستحق الجنة عقلاً حتى لو لم يستحقها شرعاً لأنه نور العالم ، هل نقول له إنه من أهل السنة والحروري من يخطئه ، أم أنه اتفق مع الحرورية في رد النص وقبول حكم العقل القاصر ؟ أليست هذه نزعات حرورية واضحة ؟ ولو أردت أن أستطرد في ذكر نماذج منهم لأطلت ، ولكن بالمثال يتضح المقال .

وبعد ذلك كله هل فهمت أخي الكريم معنى ( الحرورية ) ومن الذي ينطبق عليهم القول ( رمتني بدائها وانسلت ) ، لم يكن غريباً أن يرموا أهل السنة بالحرورية لأنهم عندما أحسوا أنهم أول المعنيين بهذا الاسم أرادوا تسجيل السبق ( التنابزي ) في الألقاب ليطلقوه على أهل السنة ليقطعوا الطريق على من أراد أن يصفهم به ظناً منهم أن هذا سينطلي على أهل السنة ، لأنهم ظنوا أن أهل السنة لا يعقلون وهم وحدهم الذين يعقلون !! .

ولكن ليعلموا أن إبليس هو أول من أراد أن يعبد الله بالعقل وليس بالنص ، فلعنه الله وأبعده من جنته ، فمن سلك درب إبليس فله ما له ، ومن سلك درب الذين قالوا ( سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) فلهم قول الله قد فعلت قد فعلت نسأل الله الهدى والتقى والعفاف والغنى .

والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين .

[أبو عبدالله البريدي]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت