أما الملاحظة الأخيرة على القراءة الأولى للمشروع؛ فنشير إلى أن هذه المبادرة موجهة أصلاً إلى الناخب الأمريكي لإلهائه عن المأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة في العراق، وسحب البساط من تحت أقدام المنافس الديمقراطي لبوش جون كيري الذي يركز حملته على خيبة بوش في الملف العراقي.. لذا فبوش يسعى إلى تنبيه الرأي العام الأمريكي أنه يخوض حربًا شرسة ضد الإرهاب.. لتحقيق الأمن للمواطن الأمريكي، وخلق واقع جديد في الشرق الأوسط يتمتع بالحرية والديمقراطية والتنمية؛ كما يلفت النظر في المبادرة أنها تجاهلت تمامًا أي ربط بين الإصلاح في الشرق الأوسط وبين قضيتي فلسطين والعراق؛ كأنهما مسألتان لا يهمان دول وشعوب المنطقة رغم أن الأولى حجر الزاوية في كل مشاكل المنطقة، ولا يمكن الحديث عن جدوى أي إصلاح بدون حلها.
ويبدو أن تجاهل الأمريكان للقضية الفلسطينية أمر متعمد ينسجم مع استراتيجية الإدارة الحالية التي لا تربط بين الإصلاح والتحديث وحل القضية، وذلك بإطلاق يد شارون لتصفية القضية الفلسطينية لفرض رؤيته على الفلسطينيين.. كما أن عدم الحديث عن العراق يعطي دليلاً على عدم جدية واشنطن لنشر الديمقراطية؛ لأن تجربتها في العراق تجعل الجميع يتشككون في مساعيها ونواياها تجاه المنطقة.
اعتراضات
والدول العربية من ناحيتها أبدت اعتراضات شديدة على المبادرة وأوضحت أن الإصلاح والتحديث يجب أن يكون نابعًا من دول المنطقة يرعى خصوصيتها وليس مفروضًا عليها من الخارج.
وقد سعت الدول العربية التي تحفظت على المبادرة إلى الربط بينها وبين القضية الفلسطينية وإقرار السلام في المنطقة، وهو مسعى أكد المراقبون أنه يرمي تحقيق هدفين؛ الأول: سعي من النخب الحاكمة لإبقاء الوضع على ما هو عليه من احتكار السلطة، وتزوير الانتخابات، ورفض أي إصلاح حقيقي تحت يافطة أن الإصلاح المفروض من الخارج مرفوض.
والثاني: ممارسة ضغوط على واشنطن حتى يكون الإصلاح في المنطقة بالتعاون مع الأنظمة، وليس مع مؤسسات المجتمع المدني، وهنا تدخلت واشنطن بالتأكيد للدول العربية أنها لن تفرض الإصلاح عليهم؛ بل سيتم بالحوار والتعاون معهم، إلا أن هذه التطمينات لم تبدد مخاوف هذه الدول.
وإزاء استمرار هذه المخاوف تدخلت عدة دول من الاتحاد الأوروبي لها مصالح استراتيجية من وراء المبادرة الأمريكية في طرح مبادرة مماثلة وإن كانت تجميلية للمبادرة الأمريكية القبيحة.. اختلفت معها في الرتبة وليس في النوع.
وكانت الاختلافات في ثلاث نقاط:
ـ رفض فرض إصلاحات تتعارض مع تقاليد الدول العربية.
ـ اشتراط التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية؛ قبل انخراط العرب في أي إصلاحات.
ـ إعطاء دور مهم للحكومات العربية في الإصلاحات، وعدم تجاهلها لصالح مؤسسات المجتمع المدني.
حائط صد
ولكن المبادرة الأوروبية رغم تجنبها العديد من الخطايا الأمريكية لم تشفع لها لقبول الدول العربية لها؛ بل إن هناك دولاً عربية قد تقدمت بمبادرات للإصلاح، أهمها المبادرة المصرية التي تدعمها السعودية وسوريا واليمن والأردن؛ ذلك لتشكيل حائط صد ضد المبادرات الخارجية وخصوصًا الأمريكية التي تسعى إلى الهيمنة على المنطقة سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا والقبول بقيادة إسرائيلية تركية للمنطقة.
وقد ركزت الدول العربية على توجيه رسالة لأوروبا وأمريكا أن فرض الإصلاح من الخارج ربما يوصل إلى الحكم قوى رجعية ومتطرفة كما حدث في الجزائر، ولكن واشنطن قابلت ذلك بطمأنة الدول العربية أنها لا ترغب في تغيير دراماتيكي للمنطقة، وأن هدف هذه المبادرة أن تصل إلى الحكم قوى ديمقراطية وليبرالية واستبعاد القوى الراديكالية والمتطرفة، وهذا ما يفسر أن واشنطن ستعمل على فرض رؤيتها على المنطقة، ولا تخشى من وصول قوى إسلامية إلى الحكم؛ لأنها ستسعى إلى فرض أسلوب (الإسلام الرومانسي) الذي يؤمن بالديمقراطية والتعددية، ولا يعادي الغرب وإسرائيل؛ على غرار تجربة حزب العدالة والتنمية التركي ، وهو ما يعطي تركيا فرصة لإعادتها إلى الأضواء كقائد للإصلاح في المنطقة مع السادة في تل أبيب.