فهو يبين لهم أين الصواب والخطأ دون احتياجٍ لتجربةٍ قد تنجح أو تفشل، منذ يولدون حتى يموتوا.. يقول تعالى: (إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) .
ولقد نزل الشرع بما يناسب كل عصر، فكانت اليهودية مناسبة لمن شرعت لهم، وكذلك المسيحية، جاءت لتناسب بني إسرائيل وقت عيسى عليه السلام، ثم اكتمل التشريع تمامًا في صورة الإسلام بعباداته ومعاملاته، فمن اكتفى باليهودية بعد نزول المسيحية رغم علمه بها فدينه ناقص، ومن اكتفي بالمسيحية أو اليهودية بعد نزول الإسلام رغم علمه بوجوده فدينه ناقص ومعاملاته ناقصة، وسيشقى بذلك لأنه اتبع جزءًا فقط من الخير والصواب ولم يتبعه كله، يقول تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ، ويقول: (ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشةً ضنكًا * ونحشره يوم القيامة أعمى * قال ربِّ لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا) .
ثم إن الشعائر سعادات، فالإنسان هو الذي يستفيد من فعلها وليس الله! كما يقول: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) ، فلن يستفيد سبحانه من ذبح ذبيحةٍ أو فعل طاعة، وإنما الإنسان هو الذي يستفيد.. يستفيد صلةً بربه، وحبًا له، وعونًا منه وتوفيقا وإسعادًا، إذ هي تشحن القلب ليدفع الجسد لحسن التعامل.
وكذلك المعاملات سعادات، فالبصدق مثلا تتحقق الثقة والطمأنينة، فتقوى العلاقات ويربح صاحب كل عمل ويسعد، كما يقول تعالى عن فائدته في الدنيا: (فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم) ، ويقول صلى الله عليه وسلم (.. فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة) جزء من حديث أخرجه الترمذي، وبالتقوى يرعى كلُّ فردٍ من حوله، وهي سببٌ للرزق والتيسير في كل شئون الحياة وإسعادها، كما يقول تعالى: (ومن يتَّق الله يجعل له مخرجًا * ويرزقه من حيث لا يحتسب) ، ويقول: (ومن يتَّق الله يجعل له من أمره يسرًا) .
وهكذا كل العبادات والمعاملات.. فليس صحيحًا أن أسس وأخلاق ونظم الإسلام التي شرعها الله تعالى للناس هي قيودٌ تمنعهم مما يحبون؛ بل هي تعنيهم على تنظيم حياتهم فتيسرها وتسعدها (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ، وتبين لهم أين الحلال الصواب النافع وتبعدهم عن الحرام الخطأ الضار، فكل حرام لابد أن يتعس حتى ولو بعد حين، فمثلا يقول تعالى في الزنا: (ولا تقربوا الزِّنى إنَّه كان فاحشةً وساء سبيلاً) ، فهو سبب الأمراض التي يصعب علاجها"كالإيدز"، ويأتي بأطفال مشردين يصبحون مجرمين يؤذون المجتمع ويتعسونه.. وهكذا كل المحرمات، لم يحرمها سبحانه لإتعاس الناس! وإنما لضررها عليهم، ثم أعطاها لهم في الحلال بصورةٍ منظمةٍ تسعدهم.. كالزواج مثلا بدلاً من الزنا، والبيع والشراء بدلا من الربا.. وهكذا.
إن الإيمان القلبي والعمل بنظام الإسلام يسعدان القلب بالرضا والطمأنينة والسكينة والتوكل والعزة والحب والرحمة والبركة واليسر والأمل والبشر، ويمنعان تعاسته بالشك والقلق والحيرة والسخط والبغض واليأس.. يقول تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) .
ولذا، فكل من يعبد الله -أي يطيعه ويتبع نظامه- فهو لابد سعيدٌ عزيزٌ قويٌّ في الدنيا، مستبشرٌ بانتظاره الثواب العظيم الذي ينتظره في الآخرة التي يؤمن بالرجوع إليها، والتي من العدل والعقل أنها لابد أن تكون.. لأنها لو لم تكن لكان ظلما، والله تعالى يقول عن ذاته: (إنَّ الله لا يظلم مثقال ذرَّةٍ) ، لأنه ليس من العقل ولا من العدل أن من أساء كمن أحسن.. (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون) ، ولا من العدل أن يكون من أحسن قليلا وانتفع قليلا بالكون واستكشف قليلا، كمن أحسن واستكشف كثيرًا.. (هم درجاتٌ عند الله) ، وليس من العقل أن تنتهي كل هذه الدقة الكونية إلى دمار فيكون الأمر عبثا دون فائدة، والله تعالى يقول عن نفسه: (أفحسبتم أنَّما خلقناكم عبثًا وأنَّكم إلينا لا ترجعون) .
والعكس صحيحٌ بالنسبة لكل من لم يعرف ربه ولم يطعه، فهو تعيسٌ ضعيفٌ ذليلٌ في الدنيا لشهواته متشائمٌ حائرٌ قلقٌ لا يعرف مصيره المنتظر ولا سبب وجوده أصلا!!
* ثالثًا: من صفات تشريعات الله في المعاملات أنها عامة.. (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ، ثم يترك سبحانه التفاصيل للبشر يضعون من لوائح وقوانين ما يناسبهم ويناسب عصرهم وبيئتهم وظروفهم في إطار هذه التشريعات، كما يقول صلى الله عليه وسلم (أنتم أعلم بأمور دنياكم) جزء من حديث أخرجه مسلم، وذلك حتى يظل الإسلام صالحا لكل الناس في كل الأماكن وفي كل العصور، لأنه لو كان جاء بتفاصيل لكانت مناسبةً لعصرٍ دون آخر، أو لمكانٍ دون غيره، أو لطائفةٍ دون أخرى.
وإذا كان بعض الناس قد حرَّف في بعض التشريعات السابقة ونسي فوائدها، وذلك من أجل بعض شهواته، فإن الله تعالى برحمته بخلقه تكفل بنفسه بحماية الشرع الأخير وهو الإسلام، لأنه ليس بعده تشريعٌ آخر وإلا ضلَّ الناس وتعسوا.. (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) .