فهرس الكتاب

الصفحة 4937 من 27364

وإذا كان الاعتقادان السابقان مما يفترض ولا يذكر، فإن هذا مما يكثر ترداده والتصريح به، والدعوة إليه، والتفاخر به في كل أجهزة الإعلام، وقد أثر ذلك في الناس تأثيراً بالغاً حتى صار من المسلمات حتى عند كثير من المسلمين إن الحرية بمعنى أن الله - تعالى- أعطى الإنسان المقدرة على الاختيار، كما أعطاه المقدرة على العمل، أمر لا شك فيه، بل ربما كان هو مما يتميز به الإنسان.

وقد شاء الله - تعالى- أن يجعل الإنسان شائياً، ومسؤولاً عن مشيئته (( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) ) (( إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ) )، فالمنازعة ليست إذن في كون الإنسان ذا إرادة ومشيئة واختيار، وإنما هي في الطريقة التي تستعمل بها هذه المشيئة أو الحرية التي منحها الله - تعالى- للإنسان.

المفهوم السلبي للحرية يجعلها غاية في ذاتها، بمعنى أن كرامة الإنسان تزداد بازياد استقلاله في اتخاذ قراره، أياً كان ذلك القرار، أي إن العبرة في الاختيار لا فيما يختار، وعليه فكلما مكن الإنسان من أن يفعل ما يشاء كان هذا أكرم له، وأكثر تحقيقاً لإنسانيته.

هذا المفهوم السلبي للحرية مفهوم قديم وإن تزيى بزي حديث، إنه المفهوم المرتبط بالاستكبار والكفر، وهو المفهوم الذي لجأ إليه قوم شعيب في احتجاجهم على أمره لهم بعبادة الله، وعدم الظلم في المعاملات المالية (( قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء ) )، وهو المفهوم الذي ذمه الله - تعالى- في قوله: (( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) ) [ٍالقيامة:36] أي لا يؤمر ولا ينهى، فالإسلام يعلمنا أن كرامة الإنسان لا تتحقق بمجرد الاختيار، لأن هلكة الإنسان قد تكون فيما يختار (( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ) ) [فصلت: 17] ، وإنما تتحقق باختياره للحق وللخير، ولما يختار له ربه (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً ) ) [الأحزاب:36] .

رابعاً: في الإعلام الغربي هجوم على المسلمين ولا سيما العرب، هجوم قال عنه إدوارد سعيد: إنه من النوع الذي لم يعد مقبولاً في الغرب حين يوجه لليهود، أو السود، أو الآسيويين، أو الأفارقة، يتهم العرب بعدم الأصالة، وبالمحافظة، وبعدم المقدرة على التحضر، وبالإرهاب، بل وبالتواكل وبالقذارة، ثم يقال: إن سبب هذا كله هو الإسلام، هذا كلام يبدو لأمثالنا سخيفاً لا يستحق حتى أن يرد عليه، لكن ينبغي أن لا نقلل من تأثيره على شاب في مقتبل عمره، ولد في بلد غربي وترعرع فيه.

عندما ظهر كتاب الآيات الشيطانية طلب مني إخواننا في مجلة Impact أن أكتب نقداً له، فعندما قرأته قلت لهم كلاماً فحواه:"أنه كتاب سخيف ثقيل، ما أظن أحداً سيكمل قراءته، فأرى لذلك أن لا تهتموا به، بل اتركوه ليموت"، لا زلت أذكر ردهم قالوا: إن الكاتب معروف في أوساط الشباب ذوي الأصول الهندية الباكستانية، وأنهم قارئوه لا محالة.

خامساً: يكثر في الإعلام الغربي الحديث عن الدين بطريقة هازلة، ولإثارة الضحك، حتى فيما يتعلق بالخالق - سبحانه وتعالى -، ويكثر فيه وصف الخالق بكلمات لا احترام فيها، كما نرى ذلك مثلاً في عنوان الكتاب الذي دخل ضمن أكثر الكتب بيعاً في أمريكا إن اسمه: سيرة الله - تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً -، إن كثيراً من المسلمين المعاصرين لا يدرون أن الكلام عن الخالق بمثل هذه الطريقة يخرج صاحبه عن ملة الإسلام، ألم يقل الله - تعالى- عن بعض أمثال هؤلاء: (( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) ).

سادساً: ومما يتصل بهذا أنهم لم يعودوا يأخذون الدين مأخد الجد، لكنهم يصورون هذا بأنه تسامح، وسعة أفق، ويصمون كل من يبدو منه استمساكاً شديداً بالدين بالتطرف، أو ضيق الأفق، والتعصب، وعدم العقلانية، وهكذا.

لذلك تعجب كثير من الغربيين من الضجة التي أثارها المسلمون بسبب ما قاله مؤلف الآيات الشيطانية عن الله - تعالى-.

وقد تأثر الإعلام في البلاد العربية والإسلامية بهذا الانحراف، فعاد هو الآخر يطبقه على كل من يبدو منه شدة استمساك بنصوص الكتاب والسنة، وعاد يمدح كل منتسب للعلم يبدو منه هذا النوع من التحلل.

سابعاً: الإعلام الغربي - التلفاز، والمجلات، والقصص، والأفلام، والانترنت؛ مليء بإثارة الشهوات الجنسية بكل نوع من صور الإثارة، بالكلمة والصورة، بالشعر والقصة، بأخبار المنحرفين، وبنشر الفضائح.

قد يقال لكن ما علاقة هذا بالعقيدة التي هي موضوع بحثنا؟ وأقول: نعم، إن الإنسان قد يقع في المعاصي الجنسية ويظل مع ذلك محتفظاً بإيمانه، وصفاء عقيدته، لكن من هنالك صلة بين الشهوات والشبهات كما نبهنا إلى ذلك علماء السلف، فالذي يكثر يشتد ضعفه أمام الشهوات فيضعف قلبه، فيكون مهيأ للتأثر بالشبهات المتعلقة بالعقيدة، كتلك التي ذكرناها آنفاً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت