وهذه الميوعة الفكرية التي نجدها هنا تتارجح ذات اليمين وذات الشمال لا تقتصر على الفلسفة المثالية التي وصفها ماركس وإنغلز بأنها تمشي على رأسها، فحسب، ولكنها تنسحب على الفلسفة المادية نفسها التي صاغها ماركس وإنغلز. فإنك واجد فيها ما يسوق الشيوعيين لمساندة وضع ما، وواجد فيها - كذلك - ما يدفعهم الى الثورة عليه والإطاحة
به ..
وهم يبررون هذا وذاك بأنه (التكتيك) الذي يخدم الإستراتيجية في نهاية المطاف.
اقرأ - على سبيل المثال - ما يقوله الأديب المجري المعروف (ارثر كوستلر) الذي خبر الماركسية بانتمائه إليها السنين الطوال، ثم ما لبث أن ارتد عنها بسبب ما وجده فيها من عيوب وتناقضات .. إنه يقول فيما نحن بصدده: (كانوا يلجؤون أحياناً، إلى نبذ الحقائق وإغفالها بحيلة بسيطة تتلخص في وضع الكلمة بين قوسين، وإعطائها جواً من السخرية والمرارة(ماضي تروتسكي الثوري) ، الهذيان (الإنساني) للصحافة
(الحرة) .. إلى آخره. وكان هذا الأسلوب لشدة إملاله يفعل في النفس فعل التنويم المغناطيسي. إن ساعة من هذا الهذيان (المنطقي الجدلي كانت تدع الإنسان لا يدري أفتى هو أم فتاة، وتجعله مستعداً لاعتناق أي منهما بمجرد ظهور الأخرى بين قوسين. لقد كنا على استعداد لأن نؤمن بأن الاشتراكيين هم( أ ) أعداؤنا الحقيقيون ( ب ) حلفاؤنا
الطبيعيون، وأن الدول الاشتراكية والدول الرأسمالية (أ) يمكنها أن تعيش مع بعضها
بسلام ، ( ب ) لا يمكنها أن تعيش مع بعضها بسلام، وأن إنغلز عندما قال: إنه لا يمكن قيام الاشتراكية في دولة بمفردها كان يعني عكس ذلك تماماً. بل لقد تعلم الواحد منا أن يبرهن بالاستدلال المنطقي على أن كل من يخالفه في الرأي هو عميل للفاشية لأنه (أ) لمخالفته لك في الرأي يساعد على تفتيت وحدة الحزب (ب) وبعمله على تفتيت وحدة الحزب يساعد على انتصار الفاشية فهو إذن (حـ) من الناحية الموضوعية عميل للفاشية، ولو كان من الناحية الشخصية قد تعرّض للتعذيب في معسكرات الاعتقال على أيدي الفاشيين. إن كلمات
(عميل) أو (الديمقراطية) أو (الحرية) الخ .. كانت تعني عندنا في الحزب شيئاً آخر يختلف تماماً عن معناها في الاستعمال العام، بل كان معناها عندنا يتغير بعد كل تحوّل في سياسة الحزب، فكان موقفنا من هذه التغييرات كموقف اللاعبين في لعبة الكروكي (التي يقوم اللاعبون فيها بضرب كرات من خشب بمضارب في أيديهم لكي تمر من أطواق خشبية ثابتة) ، بين الملكة وأتباعها حيث كانت الأطواق تنتقل عبر الملعب، والكرات قنافذ حية، مع اختلاف واحد هو أن اللاعب عندنا إذا أخطأ وأضاع دوره وقالت الملكة: (اقطعوا رأسه) كان الأمر ينفذ بكل جد )) ((3) .
إن هذا التميع في الموقف إزاء الحقائق، واتخاذ زوايا نظر مختلفة، بل متضادة يذكرنا بموقف القادة الماركسيين من مسألة الجنس والزواج، فيما تناولناه بشيء من التفصيل في مكان آخر، فقد عدّوه في البدء رذيلة بورجوازية تصديقاً لما قاله ماركس وإنغلز، ثم لما شاع الزنا في الاتحاد السوفييتي عبر سني تأسيسه الأولى، وفاض الكأس، وأعلن لينين تصريحه الشهير الذي هاجم فيه هذا التصور وحث على العودة إلى الزواج كأفضل صيغة للعلاقات الجنسية، عاد الماركسيون فأكدوا ضرورة (الزواج) كمؤسسة محتومة في العلاقات الاجتماعية.
فإذا تساءلت - يقول كوستلر-:"أليست هذه هي الفضيلة البورجوازية التي استنكرناها من قبل؟"قيل لك:"إن هذا التساؤل أيها الرفيق يدل على أنك ما زلت تفكر بالطريقة الآلية لا بالطريقة المنطقية الجدلية، إذاً ما الفرق بين البندقية في يد رجل الشرطة والبندقية في يد عضو الطبقة العاملة الثورية؟ إن الفرق بين البندقية في يد رجل الشرطة والبندقية في يد عضو الطبقة العاملة الثورية، هو أن رجل الشرطة من أعوان الطبقة الحاكمة وبندقيته أداة للعدوان، بينما هذه البندقية نفسها في يد عضو الطبقة العاملة الثورية أداة لتحرير الجماهير المضطهدة. وهذا القول يصدق عن الفرق بين ما يسمونه"
(الفضيلة) البورجوازية وبين الفضيلة العمالية. إن نظام الزواج الذي يُعدّ في المجتمع الرأسمالي مظهراً من مظاهر الفساد والتحلل يتحوّل (منطقياً) إلى عكس ذلك في المجتمع العمالي السليم، فهل فهمت أيها الرفيق أم تحب أن أعيد جوابي بطريقة محكمة أكثر من
هذه ؟) ((4) .
ويتذكر المرء الآية القرآنية الكريمة (إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى) (5) فكأنها قد تنزلت لكي تدمغ هذه الظنون والأهواء البشرية .. فما يلبث إلا أن يزداد اعتداداً بموقفه الإيماني واعتزازاً بعلمه الإلهي وموقعه الفوقي الذي
يمنحه - بالتصور العقديّ المتكامل - السيادة على العالمين!
(1) نعتمد هنا المدلول اللغوي لا الاصطلاحي للكلمة والمقصود الفلسفات التي هي من وضع البشر .
(2) مطبوعات كتابي ، العدد 55 ، ص 26-27 ، من المقدمة .