وإن كانت الذاكرة الاجتماعية الصليبية والعنصرية الغربية لا زالت الموجهة للكثير من تصرفات ومواقف المجتمعات الغربية حتى على مستوى النخب السياسية والفكرية ؛ وما مقولات (( نهاية التاريخ ) )وصدام الحضارات وإعلان بوش أنها حرب صليبية والدعم الغربي غير المتحفظ وبلا حدود للنبتة الخبيثة (( إسرائيل ) )إلا أدلة حية على ما نقول ولن تفيدنا الافتراضات الوهمية المثالية والأماني والأحلام الخيالية في السلام وانعدام الصراع من الحياة شيئاً في عالم الواقع والحقيقة .
فلم تشهد البشرية من الحروب والإبادة مثلما شهدت في ظل سيادة النموذج الغربي عالمياً مع قيام عصبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وغيرها .
صحيح أن القوى من الناحية المادية غير متكافئة وأن الظروف في الجملة غير مواتية . لكن لا يعني هذا أننا لا نمتلك أي عنصر من عناصر القوة بل لدينا الكثير فنحن أمة قدرها أن لا تموت وتندثر وإن ضعفت أو اعترتها الأمراض ؛ بل إنها أشد ما تنتفض شباباً وقوة وحيوية ونهوضاً وتجديداً أشد ما تكون الابتلاءات والمحن التي تتعرض لها وتصيبها . وان الأنظمة والحكومات في العالم الإسلامي حين تقف مواقف الرجولة والشجاعة لا التهور والطيش فستجد من شعوبها من التضحيات والفداء والعطاء ما لا يوجد في أمة أخرى . ولا يفهم جاهل أو متجاهل أن هذا القول يستدعي منع قائله من إقامة العلاقات مع الكفار والوفاء بالعهود والتعامل معهم والاستفادة مما لديهم والتحاور معهم ودعوتهم لكن ما سماه علماؤنا (( الولاء والبراء ) )هو السياج الذي يسمح للمسلم بأن يعيش حياته مع الناس أخذاً وعطاءاً من غير تبعية ولا ذل ولا مهانة ولا تنازل ولا مساومة على ديننا ولا حقوقنا ولا كرامتنا ولا قيمنا . وان في التاريخ لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ؛ فملوك الطوائف في الأندلس وأمراء الأقاليم في بلاد الشام أيام الغزو الصليبي لم ينفعهم ولم يشفع لهم إعطاء الدنية في دينهم وأمتهم وانتهوا على أيدي من ركنوا إليهم من الكفار اسوأ نهاية وما زالوا لكل من يقلب صفحات التاريخ مثل السوء وقاع الاحتقار والخسة لدى أمتهم وأجيالها المتلاحقة .
2 ـ أن العاقبة والنصر والتمكين ستكون لدين الله الذي تكفل الله بحفظه { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } (( الحجر9 ) )وإن المواجهة بين الحق والباطل محسومة في آخر المر لصالح الحق وأهله والذي تمثله بلا شك الرسالة الخاتمة ـ الإسلام ـ قال تعالى: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } (( غافر51 ) ).
وهذه الحقيقة الراسخة في وجدان المسلم جزء من عقيدته والوعد بها من الله سبحانه وتعالى في كتابه ووعده لا يتخلف ولذلك فإن المؤمن يعتقد أن ما قد يصيب المؤمنين من ابتلاءات ونكبات إنما هو نوع من التأديب لهم لتقصيرهم في تأهلهم بالاستجابة لأمر الله والالتزام بدينه ليستحقوا نصر الله وانه كذلك وسيلة ربانية لتمحيص المؤمنين وزيادة تأهلهم لتحمل تبعات التمكين في الأرض وليظهر للناس بغي أهل الباطل وظلمهم للمؤمنين وأنهم لا يرقبون فيهم إلاً ولا ذمة ولا يعرفون عدلاً ولا إنصافاً وإنما هو التجبر والاستكبار في الأرض بغير الحق ثم يكون بعد الصبر والمصابرة والمثابرة والثبات على الحق والاحتساب لما يصيب المؤمنين نصر الله لعباده كما قال تعالى: { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم الوارثين } (( القصص5 ) )وقال تعالى: { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون } (( السجدة24 ) )وهذا اليقين بنصر الله للمؤمنين يورثهم قوة وعزة وثباتاً واطمئناناً ومعنويات عالية في مواجهة الأحداث والنوازل والمصائب وبصيرة في فهم كثير من الأحداث وتحليل كثير من المواقف .
وأحداث التاريخ تؤكد هذه الحقيقة في عالم الواقع فما من مواجهة تمت بين الكفر والإيمان وكان جند الإيمان متأهلين إيمانياً وعقدياً ودينياً وباذلين لإمكاناتهم وجهدهم في نصرة دينهم إلا كتب الله لهم النصر مهما قل عددهم وعدتهم من الناحية المادية بالنسبة لما لدى عدوهم وبالتالي فإن الصراع بين الحق والباطل لا يحسم بناءا على الحسابات المادية فقط بل إن في هذه المواجهة بالذات حسابات أخرى لا يفهمها ولا يدركها ولا يعول عليها إلا من كان من أولياء الله الصادقين الذين نور الله قلوبهم بالإيمان وعقولهم بالعلم وزكى جوارحهم بالعمل الصالح المبرور وهذا المفهوم هو الذي جعل خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو يواجه مائتين وأربعين ألفاً من الروم في اليرموك بأربعين ألفا من المسلمين يقول لمن قال له ما أكثر الروم: بل ما أقل الروم إنما يكثر القوم بنصر الله ويقلون بخذلانه قال تعالى: { إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم كم بعده } (( آل عمران 160 ) ).